“اليأس المكتسب” و ” الأمل المكتسب”
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
لو قمنا نحن معاشر الآباء والأمهات بتوجيه سؤال لأنفسنا (لماذا نصر دائماً على ألا يخالط أطفالنا رفاق السوء ؟ ) .
فإن الإجابة التلقائية والبديهية على السؤال السابق : لأننا نعلم مسبقاً أن أطفالنا إن فعلوا ذلك فإنهم سوف يتأثرون ويتأقلمون مع سلوكيات هذه المجموعة من الرفقة ! لكن الوجه الآخر للسؤال : هل ينطبق ذلك أيضاً على الكبار ؟
لاشك أن لعالم الكبار أجواء اجتماعية مختلفة ومعايير متفاوتة . فالإنسان البالغ الراشد غالباً ما تكون علاقاته أكثر تحديداً وأدق في الاختيار مقارنة بعالم الصغار . فالكبار معرضون إلى مخالطة ومعاشرة أشخاص “محبطين” على مستوى العمل أو على المستوى الأسري أو حتى في دائرة الطموح الشخصي .
فهناك شريحة من الناس لمجرد أن تمر بوعكة صحية أو مرض خفيف كالانفلونزا مثلاً ؛ فإنها سرعان ما تعلن الحداد وتنصب مأتم العزاء على مستقبلها الصحي .
وهناك أيضاً فئة من الناس يحلوا لها أن تدفن نفسها في جو التشاؤم والحزن والشعور بالعزلة! ويغلب على حديثها عن نفسها أو عن الآخرين طابع فيه مذاق السلبية واللوم الذاتي والتباكي والنياحة . وتتصرف هذه الفئة من الناس في المواقف الاجتماعية المختلفة بطريقة تخلوا من الاعتزاز بالنفس أو التفاؤل وتقديرها لامكانياتها وقدراتها الشخصية ! وتمارس دور الضحية في كل مراحل حياتها!
ولطالما كان يحدثنا أحد الأصدقاء عن مشاعره عندما يعقد العزم لزيارة أحد أقرباءه . فقد كان يتأزم قبل الزيارة والسبب أنه كان يشعر بالاختناق بعد كل زيارة وذلك نتيجة الأجواء الخانقة والحزينة والتي كانت غالباً ما تخيم على أجواء تلك الزيارة . فالزيارة عبارة عن ندب حظ ومقارنة غير عادلة مع الآخرين وتأوه وتلوين لواقع الحياة بلون قاتم . فهذه الشريحة تفتقر إلى أدنى مقومات الجاذبية الاجتماعية .
وكانت أيضاً إحدى القريبات تستوحش إذا علمت أن صديقتها “فلانه” على الهاتف؟! فكل مكالمة يعني (كابوس حزين) . . أو يعني . . مشاهدة فيلم كئيب بل ومعايشة (تمثيلية تراجيدية) على الهواء!!
في الحقيقة من الصعب على الإنسان أن يتحول إلى (رافعة للأنقاض) ، بمعنى أن يتحمل رفع المعنويات المنخفضة لكل من حوله من الأصدقاء والأقرباء . وإن كان من الواجب الديني والاجتماعي بين الحين والآخر ممارسة هذا الدور ولكن بأسلوب مختلف؟؟
وكنا نقترح على الأخت الفاضلة التي لعبت دور (رافعة الأنقاض) ، بأن تقوم بالآتي بعد الانتهاء من كل مكالمة ، أولاً أن تتناول حبوب (بندول) أو مضاد حيوي حتى لا تنتقل لها عدوى “اليأس” فهذا الفيروس سريع الانتشار ، فنحن جميعاً بحاجة إلى لقاحات ضد الأمراض المعدية . وعليها ثانياً أن تلبس جلد فيل عندما تقرر الاختلاط بهذه الشريحة للوقاية من التشاؤم . وأخيراً نقترح عليها أن تتكئ على الزوج المسكين ليقوم بمشاركتها في الخطة العلاجية كأن يخرج معها في نزهة قصيرة لإزاحة الضغوط والتخفيف من أعباء وآثار “اليأس المكتسب”!! .
صناديق اليأس:
لقد كانت تلك تهيئة لعرض نظرية اليأس المكتسب والتي تتصل بحديثنا في هذه السطور ، وهو التأثير السلبي لبعض الدوائر الاجتماعية كدائرة الأصدقاء وزملاء العمل أو بعض الأقرباء ، وصاحب هذه النظرية أي “نظرية التعلم الاجتماعي في اكتساب اليأس” هو العالم النفساني المعاصر (سيليجمان) وهو حالياً رئيس جمعية علم النفس الأمريكية . وقد تجنبنا الدخول إلى النظرية بطريقة أكاديمية حرصاً منا على جذب القارئ وضماناً من عدم هروبه أو أن يشيح بوجهه إذا علم أننا بصدد الحديث عن “الاكتئاب” ؟؟
وتتلخص تجربة الرجل بأنه قام بتصميم “صناديق اليأس” واستخدم في تجربته مجموعة من الكلاب . وقسم الصناديق في تجربته إلى جزأين بحيث تستطيع الكلاب الهرب إلى القسم الآخر في حالة تعرضها إلى صدمة كهربائية أو أصوات حادة .
وكانت الكلاب قد تدربت بالفعل ، فعندما تتعرض للتهديد بالصدمات الكهربائية أو الأصوات الحادة كانت تهرب إلى الجزء المأمون من الصندوق .
إلا أن المجرب قام بتدريب مجموعة من الكلاب على “اكتساب اليأس” فقد كان يوثقها في القسم المكهرب بحيث لا تستطيع الهرب مع وجود الألم وقد كرر تلك التجربة عدة مرات . وبعد فترة من التجريب تعودت الكلاب على عدم التفكير بالهرب ولا حتى المحاولة؟ وقد وصفها المجرب بـ (المجموعة اليائسة) لأنها استسلمت حتى بعد فك قيودها . لقد اكتسبت حالة من اليأس والخمول والسلبية في مواجهة الضغوط المهددة؟ حتى وإن كانت مصادر الهروب متاحة ؟؟
ونحن نستطيع أن نستفيد من نتائج التجربة على صعيد الأسرة والمجتمع ومنظمات العمل أيضاً . والحق أن (سيليجمان) لم يتوقف في ملاحظاته على الوصف والمقارنة بين سلوك الحيوان في حالة اليأس والإحباط وبين سلوك الإنسان ومدى التشابه بينهم بل صاغ رؤية علاجية إبداعية وأطلق عليها اسم “الأمل المكتسب” .
فقد كان العلاج بالنسبة لكلابه هو ألا يكتفي بفك قيودها وفتح المجال أمامها للهرب إلى بيئة آمنة . بل قام بتدريبها على “اكتساب الأمل” بحيث كان يجرها عنوة من صناديق اليأس!! أقول “عنوة” ، (وقد ينطبق ذلك أيضاً على بعض المجتمعات؟؟) .
وكأن الرجل يقول لنا أن هناك فئة من الناس تنتمي إلى (نادي المتشائمين) ، وقد لا ينفع معهم مجرد النصيحة ا لشفوية بل لا بد لهم من خطة علاجية يمارسون من خلالها “نشاطات سارة” ونقوم بسحبهم “عنوة” إلى تلك النشاطات .
والشاعر العربي . . يشجعنا على عدم الشكوى والخنوع دون المبادرة والانتقال إلى الفعل والعمل :
لا تشتمن الرزء أو تبكي له فالرزء ليس بمثل ذلك يدفـــع
لكن تصدى له فإن أخضعته تحيا وإن خفت الممات تخضع
ولعله من المناسب التوقف عند ماهية الأمل؟ وماهية اليأس؟فأهل الاختصاص يعرفون الأمل (التفاؤل) بأنه (نظرة استبشار نحو المستقبل تجعل الفرد يتوقع وينتظر حدوث الخير ويرنو إلى النجاح ويستبعد ما خلا ذلك) ، وعلى العكس منه فاليأس (التشاؤم) يعرف بأنه (توقع سلبي للأحداث القادمة يجعل الفرد ينتظر حدوث الأسوأ ويتوقع الشر والفشل وخيبة الأمل ويستبعد ما خلا ذلك إلى حد بعيد) .
ومن خلال ذلك يمكننا رصد حالة الاختلاف بين المتفائلين والمتشائمين والمتمثل في (طريقة التفكير) وتفسير الأحداث؟ فالإنسان المتشائم يميل إلى جلد ذاته بسبب أي حدث سيء بل ويعتبر أن الأحداث السيئة في حياته قدر دائم وأن الأشياء السارة هي مؤقتة أو أنها وقعت بالصدفة (فكرة الحظ)؟ وعلى العكس من ذلك الإنسان المتفائل غالباً ما يفسر الأشياء بشكل إيجابي وفي حالة وقوع (حدث سيء) يعتبره موقفاً عابراً ومؤقتاً ويضعه في قائمة الدروس التي يجب أن يتعلمها الإنسان .
والأهم من ذلك أن الإنسان المتفائل يعتبر نفسه طرفاً رئيساً في صناعة الأحداث السارة ويعتبر مجموع هذه الأحداث بمثابة حالة دائمة وقد ساهم في تصميمها والتعايش معها . يقول (ديموقريطس) : (إنك لا تقدر على الإبحار ضد الريح ولكن بوسعك تعديل أشرعتك لتأخذك الريح حيثما تشتهي) .
ومن بين أهداف كتابة هذه السطور إبراز الوجه الجميل للتفاؤل حيث تشير جميع الدراسات السيكولوجية إلى الارتباط الإيجابي بين التفاؤل وبين : الشخصية الناجحة والشعور بتقدير الذات والسعادة وضبط النفس والتغلب على الضغوط والحماسة الدائمة والتمايز على الآخرين . وفي الوقت نفسه يجب علينا التخفيف من (الشعار الشعبي) الذي نسمعه كل يوم حول النجاح والتفوق أي فكرة (الحظ الاجتماعي). فلو قمنا بمتابعة الشخصيات الناجحة فسوف نلاحظ أنها تملك (طريقة إيجابية في التفكير) ، وهذا ما يؤكد عليه (أديسون) حين يقول “أن العبقرية 99 في المائة منها جهد وواحد منها في المائة حظ” !
التفكير بالخير يدعو إلى العمل به :
والنشاطات السارة كثيرة ومتنوعة لكنها تحتاج منا أولاً إلى أن نغير طريقة تفكيرنا؟؟ فهناك أساليب من التفكير هي المسئولة أو لنقل هي التي تقودنا إلى الدخول في إحدى “صناديق اليأس” كما أن طريقة تفسيرنا للأشياء هي المسئولة عن قرارنا أما بالدخول إلى دائرة اليأس أو الدخول إلى دائرة الأمل .
وهناك شعار يجب أن نرفعه في دائرة الأمل ألا وهو . . “فكر إيجابياً . . تكن ناجحاً” فقد جاء عن الرسول (ص) (أن التفكير بالخير يدعو إلى العمل به) .
كما أن هناك قواعد ذهبية يجب أن نتحرك في الواقع من خلالها . . فلابد لنا مثلاً من أن نعتبر الفشل أداة تعلم ، وأن الإخفاق مجرد مرحلة . . كما يجب علينا أن نتخيل النجاح وندعم الافتراضات الإيجابية عن أنفسنا ، وهناك خطوة ضرورية وهي أن نقترب من المتحمسين والمبدعين وأن نتعلم ممن نجحوا ونتعرف على خطواتهم في التفوق . وأخيراً فهناك لافتة حمراء تقول (إحذروا مخالطة هواة الفشل والإحباط!!) وذلك تجنباً من انتقال جرثومة اليأس ، بمعنى أن تكون علاقتنا الاجتماعية هادفة ومقصودة وليست عشوائية وعاطفية .
ولا شك أن هناك تمارين وأنشطة سلوكية يجب علينا التعرف عليها : فمن الأشياء الجميلة التي صادفتنا ، ذلك المسح الشامل الذي أجري في الولايات المتحدة الأمريكية للكشف عن عوامل الصحة والمرض على (6928) شخصاً ويتضمن قائمة الممارسات السلوكية السبع :
(النوم سبع إلى ثماني ساعات يومياً – تناول الإفطار يومياً – عدم الأكل بين الوجبات – تناسب الوزن مع الطول – عدم التدخين – الاعتدال وعدم شرب الخمر – الانتظام في أداء تمارين رياضية) .
كما طالعنا أحد الإصدارات الحديثة وقد كانت تحتوي على مجموعة من الممارسات المعارضة للتشاؤم نضعها بين يدي القارئ ، ونأمل التريث في قراءتها والتفكير فيها كخيارات واقعية قابلة للتطبيق؟؟ وهي كالتالي (اجتمع مع أشخاص سعداء – شاهد منظراً جميلاً وركز عليه – استمع للقرآن – قم بإعداد طبخة تحبها – اجتمع مع أشخاص متحمسين – اقتطع وقتاً للفراغ – ارتد ملابس أنيقة – مارس الاسترخاء – أرو طرفة أو نكته – استحم أو اسبح إذا شعرت بالملل – ابتسم للآخرين – اشعر بوجود الله ورعايته في حياتك – خطط لرحلة – اكتب رأيك في مقال قرأته في الجريدة – قم بعمل تطوعي لخدمة الآخرين – سجل أشياء إيجابية تود عملها اليوم – أنصت للقرآن الكريم بتركيز – امتدح شيئاً إيجابياً في شخص آخر – اشتر شيئاً تحبه ، عطر مثلاً – كون صورة ذهنية لشخص أو مكان جميل أعجبك – اقرأ مقالاً أو كتاباً متميزاً – اقض بعض الوقت في مشاهدة الطبيعة . . . الخ) .
وقبل أن ننهي الحديث نقول بأن القارئ العزيز قد يعترف بأننا وفقنا في استدراجه إلى قراءة أحد موضوعات علم النفس والسبب أنه غالباً ما يوصف علماء النفس وأطباء العلاج النفسي بالجنون والتعقيد؟ وعلى الأخص إذا كان الحديث عن تجارب حول الكلاب والاكتئاب !!
ولكن من حق القارئ أن يتساءل : هل من الواجب أن أقوم بعملية الدعم الاجتماعي لهذه الشريحة من الناس؟
الجواب : نعم و يجب أن نبدأ من المنزل ، نقول من (المنزل أولاً) فالسعادة يجب أن تنطلق من المنزل ولنبدأ على سبيل المثال بالزوجات . وإن كان الوقوف إلى جنب الزوجات ومساعدتهن لا يرحب به من قبل الزوجات ولا تعترف الزوجات في الغالب بجهود الأزواج!! إلا أنه من الواجب أن نقوم بالدعوة إلى مؤازرة الزوجات .
ويحضرنا الآن ذلك الموقف الطريف :
فقد قالت الزوجة لزوجها : أنا ذاهبة لأزور الجارة لمدة خمس دقائق . (رجاءً) لا تنس أن تحرك الشوربا كل ربع ساعة!!؟
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
