تغيير المناهج
تغيير المناهج
وظيفة الاديب هي المشاغبة حتى حتى تبقى الذاكرة يقظة…..(الطاهر بن جلون)
د. منصور القطري
ترتبط مسألة رفض التغيير في ميدان علم النفس الاجتماعي بما يعرف بالاتجاهات المحافظة (conservatism) التي تعارض كل أشكال التغيير التي تلامس القيم والعادات التقليدية الموروثة. ويرتكز الاتجاه المحافظ في موقفه على قناعة تفيد أنه على الرغم من وجود بعض نواحي القصور في الوضع القائم إلا أن هذا الوضع قد اكتسب قيمة ثابتة ويمكن من خلال هذا الثبات تقديم براهين على صحة الوضع القائم وصلاحيته للمستقبل؟
ولكي نبتعد عن الكلام النظري المجرد نستدعي مثالاً واقعياً يتصل (بالمناهج) فمنذ أحداث سبتمبر 2001 ومسألة (التغيير والإصلاح) تدور في حلقة مفرغة وعلى الخصوص من قبل الداعين إلى عدم المساس بالمناهج الدراسية؟ وتذهب قناعات شريحة من يرفض التغيير إلى أن المناهج الدراسية ليست بحاجة إلى تغيير أو تعديل وإن الرغبة في التغيير قادمة من الخارج وبالتحديد من أمريكا؟ والقضية الأخرى أن هذه الفئة التي لا ترى ضرورة التغيير تبالغ في خطورة تطوير المناهج وكأن تطوير وتغيير المناهج الدراسية يعني مباشرة المساس بالقرآن؟
نحن نعتقد إن فرض التغيير من الخارج أمر يستهجنه كل مواطن شريف وعلى الأخص إذا جاء من قوة عاتية وغير عادلة كأميركا. والمناهج التربويـة التي يـراد تغييرها هي إحدى مفردات السيادة التي لا نسمح ولا يصح التفريط بها وقد جاء في التقرير الأميركي الشهير (أمة معرضة للخطر a nation at risk) ما يعزز حديثنا حين صدر في بداية الثمانينات وتحديدا في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق (رونالد ريغان ) هذا التقرير الذي حلل واقع التعليم في أمريكا والذي ورد فيه (إن التدخل في صناعة مناهج دولة ما أمر يعادل إعلان الحرب عليها )، وهو كما يقال (من فمك أدينك)؟
بين التغيير المخطط والتغيير الطارئ:
نقول أن التعاطي مع مسألة تغيير المناهج يجب أن تتم بعيداً عن عقدة الوصاية أو النظرية التآمرية(conspiracy theory) والتي سوف نخصص لها وقفة تحليلية متأنية في محطة قادمة؟ بل يجب أن نتعاطى مع (الدعوة إلى التغيير) على أنها فرصة حقيقية للمفكر (العربي/ المسلم) للتأمل في نقاط الضعف في مناهجنا، كما أنها هدية ثمينة ومجانية يقدمها الطرف الأخر(أمريكا أو غيرها)! أو بحسب (علي حرب) حين ميز بين المنطق النضالي والمنطق المعرفي مبيناً أن الخلط بينهما هو الكارثة حيث قال (إن من أكثر العوائق التي عرقلت المشاريع الفكرية في العالم العربي طغيان صور النبي والداعية والمحرر والمبشر على عقول المشتغلين في فروع العلم وميادين البحث (الشرق القطرية 17/3/2004م) أي فئة أصحاب الإيديولوجية الكارهة للآخر حتى لو نطق حقاً؟!
وفيما يخص التوقيت في الدعوة إلى التغيير “أي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر) يجب أن لا يشكل الهاجس الأقوى في الدفاع عن قضية مهمة ولا يمنعنا شنآن قوم على أن نعدل؟ نعدل في التمييز بين دعوتهم التي قد يحق للبعض أن يشكك بها وبين أن تكون الدعوة إلى التغيير (فرصة حقيقية) للمفكر وصانع القرار (العربي/ المسلم) لنبش المناهج التي كانت بشكل مباشر أو غير مباشر حاضنة للعنف والتعصب وإقصاء الآخر والتخلف في التنمية البشرية .
نعم في علم استراتيجيات التغيير (strategic change) يتم التمييز بين نوعين من التغيير الأول تغيير مخطط في قبال تغيير طارئ (planned versus emergent change) وهو مرتبط بالرؤية التي تصنع استراتيجيات تغيير مخطط وهي تلك العمليات التي تحوي قدراً من الانتقال السلس من رؤية إستراتيجية واضحة سابقة إلى وضع مستقبلي مرغوب.
إن تغيير وتطوير المناهج مسألة اعتيادية لدى غالبية شعوب العالم فقد قام رئيس وزراء اليابان عام 1984 بتشكيل (المجلس المؤقت للإصلاح التربوي). كان يهدف هذا المجلس إلى إجراء البحوث والدراسات والتي شأنها العمل على الإصلاح التربوي وهذه الحركة الإصلاحية لم تكن الأولى في اليابان بل يعتبرها اليابانيون الحركة الثالثة في مسيرة التعليم والتحديث.
ومن حسن الطالع أن أمريكا كانت تبحث في حينها عن رؤية جديدة لنظامها التربوي أي عام 1984م حيث تم المشروع عبر (اللجنة القومية للتفوق في التعليم) وقد عرضت نتائج دراستها على وزير التربية الأمريكي في التقرير المشهور الذي أشرنا له (أمة معرضة للخطر) (anation at risk). عندها طلبت أمريكا من اليابان أن تدرس مناهجها وتدلها على نقاط الضعف (النقد من الخارج) وقد وافقت اليابان واشترطت شرط غريب؟ وهو أن تقوم أمريكا أيضاً بمراجعة مناهج اليابان الدراسية؟ فتوصل وزير التربية الياباني مع وزير التربية الأمريكي إلى اتفاق لتنظيم دراسة مشتركة حول المناهج في كلا الدولتين والخروج بنتائج يعود نفعهما على الأمتين، وقد تم ذلك على رغم الخلاف بين الدولتين أو لنقل رغم الخصومة الاقتصادية المعلنة بين الدولتين؟ إنه نوع من التبني للمقولة التي أطلقها تشرشل (أنا لا أفتخر بأني لم أبدل رأيي أبداً حول الأشياء أو حول الأشخاص لأن عدم تبديل الرأي هو حماقة تماثل رفض الإنسان لأن يتعلم).
الاهتمام بالمستقبل:
علق ذات مرة جمال الدين الأفغاني قائلاً بأن (العربي . . يعجب بماضيه واستلافه وهو في أشد الغفلة عن حاضرة ومستقبله)؟ لذا فميلنا بشدة إلى تلك الدراسات التي تهتم بمعالجة أزمة منهج التفكير في مجتمعنا العربي ولعل محاولة المفكرة الاجتماعي السوري (حليم بركات) في كتابه الأخير (الهوية وأزمة الحداثة والوعي التقليدي) بها ملامسة لأزمة منهج التفكير حيث دعا إلى العمل من أجل (إحداث تغيير سريع وشامل وعميق يتناول البيئات الاجتماعية المختلفة والقيم والمؤسسات التي تعيش في كنفها)؟
إن علينا أن نعيد النظر مليا في طريقة معالجة (تغيير المناهج – وإن كنا نميل لاستخدام لفظ التطوير) وان لا نلقي التبعية على الآخر ونهرب من مواجهة الذات . فلا مناص من الاعتراف بأن نمو الخطر الذي يمثله تيار العنف والتعصب هو انعكاس لأزمة ثقافية لابد من تفكيكها وإعادة قراءتها، فقد امتد ليطال الجميع بما فيهم الحكومات. نعم لقد استفادت الحكومات جميعها من تلك الأزمة أثناء الحرب الباردة وإثناء حرب الخليج الأولى مما أفرز تيارات متشددة ومعبئة طائفياً، لكن هذه الحكومات لم تتحرك لحماية الناس وخصوصا الأقليات (الأكثر تضرراً) إلا بعد أن لامس الخطر أجهزتها الأمنية؟
يخطئ المثقفون إذا لم يلاحظوا أن (مقاومة التغيير) كظاهرة إنسانية لا تستفحل في مجتمعنا العربي بفعل الحماية السياسية فقط أي (حماية السلطة ومؤسساتها ورقابة المؤسسة الدينية) وإنما تتضخم وهو الأكثر خطورة بفعل الإنصياع الذاتي الإرادي من قبل المفكرين والمثقفين أنفسهم؟ فهي ظاهرة قديمة ومستمرة على مستوى شرائح المجتمع والسبب في ذلك أن هناك علاقة شرطية بين التغيير وتقديس الموروث؟ فرب تراث ليس بذي شأن فقد جاء في الرواية عن معمر بن خلاد: أن الإمام علي اشترى داراً وأمر مولى له أن يتحول إليها وقال له إن منزلك ضيق فقال المولى: قد أحدث هذه الدار أبي؟ فقال الإمام علي: إن كان أبوك أحمق فلا ينبغي أن تكون مثله؟ (وسائل الشيعة – أحكام المساكن).
الأمر الأخر أن هناك فئة محافظة تقف ضد التغيير و التطوير مطلقا بمعنى إن سيكولوجية الثقافات المحافظة تحتمي بالسكون والرتابة وتتوجس من الجديد؟! وتتسلح بالعقلية التآمرية، وثقافة (سد الذرائع) والتي تشكل في تقديرنا الثقافة التحتية لكثير من القرارات الرافضة للتغيير علما بأن هذه الثقافة تشل حركة تطور المجتمع وقد علق ابن حزم ذات مرة قائلاً (لو أن سد الذرائع صحيحاً لوجب قطع ذكور الرجال منعاً للزنا)؟
نحن اليوم بأمس الحاجة إلى فتح الذرائع الصالحة والنافعة للاستفادة من تجارب الآخرين الكونية والاجتماعية ولنا في تجربتنا الإسلامية المثال والقدوة. فقد جاء عن جذامة بنت وهب، قالت: حضرت رسول الله في الناس وهو يقول “لقد هممت أن أنهي عن الغيلة (جماع المرأة المرضع) فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر ذلك أولادهم شيئاً” بمعنى أن النبي أراد أن ينهى المسلمين عن نكاح المرضع، ولكنه علم أن الفرس والروم يفعلون ذلك فلا يترتب عليه ضرر ولذلك ترك النهي وأخذ بتجربة الروم والفرس باعتبارها تجربة إنسانية وهي قاعدة أو سنة في الاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى؟ (أنظر صحيح مسلم الجزء الثاني سـ 1066 وكذلك معاني الأخبار للصدوق صـ 283).
هناك درس جميل في التنمية فقد كان نصيب الفرد المصري من الناتج القومي سنة 1962 ما يعادل 2500 دولار وفي الفترة نفسها كان نصيب الفرد في كوريا الجنوبية 480 دولار وفي سنة 2000اي بعد قرابة أربعين عاما تغير الحال ليصبح نصيب المواطن المصري 1400 دولار بينما نصيب المواطن الكوري 8000 دولار ولو ذهبت الان الى مصر (وهي العمق الاستراتيجي للوطن العربي) سوف تشاهد سيارات هونداي تكتسح شوارع القاهرة !! والسؤال هنا: مالذي يجعل دول تتقدم ودول تراوح مكانها إذا لم تتأخر؟
أقول :عندما نفكك الخطاب الرافض لعملية تغيير المناهج سوف نرصد انه خطاب يخلط أو لنقل انه لا يميز بين الحملة الإعلامية الغربية في بعدها السياسي وبين الدروس المستفادة التي يمكننا تعلمها أو تأملها، إنه الهدوء في تناول الفكرة بالفكرة فيتشابك الضوء بالضوء، فنتسلل عبره إلى النهار.
إننا عندما نرفض التغيير والتطوير تنمو بداخلنا قداسة لرأينا فلا نحادث إلا ذواتنا ولا نطالع إلا أقوالنا فنصبح مثل (الديك المغرور) الذي يعتقد أن الشمس لا تشرق إلا لكي تستمع إلى صياحه في الصباح؟
