اللباقة الإجتماعية
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
ورد في القواميس العربية لفظة اللباقة بمعنى سلوك الفرد في حياته مع غيره سلوكاً يتسم باللطف والأدب وقد تعني أيضاً دماثة الخلق . وفي الثقافة المعاصرة ترد اللباقة كأحد مفردات التأدب وهي حسن التصرف وهي بذلك ملكة تعصم من تحلى بها عما يشينه . واللباقة من الموضوعات المرعية في آداب التعامل وآداب الكلام وهي من ضرورات الآداب العامة في السلوك الاجتماعي . ويمكن متابعة أدبيات (اللباقة) في الحلقات والدورات التدريبية في مختلف المراكز العالمية تحت موضوعات مهارات الاتصال الناجح(Communication Skills) .
واللباقة كصفة وسمة سلوكية يحتاج لها جميع الناس ، وإن كانت بعض المهن أشد احتياج من غيرها . على سبيل المثال الأشخاص الذين يتعاملون مباشرة مع الناس كالطبيب والمحامي والمعلم والشرطي والقائد الإداري والخطيب وغيرهم ممن يشكل (الاتصال الإنساني) بالنسبة لمهنتهم جزءاً كبيراً من ساعات العمل . وهذا لا يعني استغناء الأزواج والزوجات عنها . فاللباقة في العلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية تعتبر من الصفات المتميزة التي ينبغي أن يتحلى بها الشخص الناجح . فهذه الصفات تمكن الأفراد من المحافظة على شعور الطرف الآخر وإطفاء جو من الود المطلوب لإنجاح أي علاقة إنسانية ولتجاوز أي موقف حرج قد يترتب عليه تشنج العلاقات . وهو من منظور خبراء علم اللغويات الاجتماعية يمثل أسلوب راقي في الاتصال الذي يمنع بدوره اصطدام كلام الأطراف بعضها البعض مما يؤثر إيجابياً في صناعة مناخ مشبع بالاحترام والتخاطب الراقي .
اللسان العربي الجميل :
ولغتنا العربية جميلة ولها من السحر ما يمكنها من التوغل في ميدان العلاقات الإنسانية باعتبار أن اللغة وسيط هام في بناء جسور المودة بين الناس . وهذا عيناً ما دفع مؤرخ “قصة الحضارة” (يول يورانت) إلى ذكر ثلاثة تعريفات مختزلة لثلاثة مستويات حضارية كبرى وهي الحضارة الصينية والحضارة الإغريقية والحضارة العربية الإسلامية .
يذهب (يول) إلى أن حضارة الصينيين أو الجنس الأصفر تتمثل على نحو أشمل في أصابعهم وحضارة الإغريق في فكرهم أما حضارة العرب فهي في لسانهم . ولا ريب أن كل البشر يستخدمون أصابعهم ولسانهم وفكرهم لكن الإشارة هنا إلى علامات تمايز ذات دلالات حضارية متباينة .
تتمثل حضارة الصينيين (الجنس الأصفر) في أصابعهم مختصرة صنيعهم الحضاري من خلال ابتكار خيوط الحرير والقز ونقش الخزف انتهاء بصناعة الكمبيوتر . وتتركز حضارة الإغريق في فكرهم المتمثل في الركام الفلسفي الذي تتكئ عليه معظم مراجع التفكير الإنساني عامة . أما العرب فحضارتهم تختزل في “لسانهم” . وتلك إشارة مباشرة إلى المعجزة القرآنية . فالعرب لم يكونوا في حاجة إلى معجزة حسية نفعية كما كان بنو إسرائيل يطلبون من أنبيائهم إنزال المائدة ، كما لم يطلبوا معجزة خوارقية كولادة المسيح من العذراء أو أن يمشي المسيح على الماء أو أن يشق البحر بعصاه . لذا كانت معجزة القرآن في بلاغته .
والأمثلة المنتشرة في الجزيرة والبلدان العربية قديماً وحديثاً تدل على مدح القول اللين اللطيف وأثره في النفوس ويدل أيضاً على اهتمام العرب منذ القدم بالكلام اللبق ودوره في صناعة العلاقات الحميمة فقد ورد عن الإمام علي قوله (من لانت كلمته وجبت محبته) وقالت العرب في أمثالها الدارجة (الكلام اللين يغلب الحق البين) . ولعلنا بمراجعة سريعة لكتاب ابن القيم الجوزية “روضة المحبين ونزهة المشتاقين” سوف نلاحظ فيض جميل من الكلمات ودرجاتها والتي تزيد على الخمسين لكل منها معنى متدرج ورقيق حيث حاول (ابن الجوزية) جمعها ويأتي في طليعتها : (المحبة – الود – الخلة – الرسيس – الهوى – الصبابة – الشغف – الوجد – الكلف – الجوى – الشوق – الغرام – العشق – الهيام – الوله . . الخ) . هذا التقسيم للمفردات الراقية لا وجود له في اللغات الأجنبية ، فلقد انفردت اللغة العربية بدقة البيان وإصابة المعنى وغنى المفردات . وقد علق أحد الأدباء (أنه لو اطلعت الزوجات في البلاد الأجنبية على جمال مفردات اللغة العربية وتقسيماتها من الحب لشاقهن أن يتعلمن العربية ليعرفن مواقعهن بالنسبة إليها عند أزواجهن)!
اللباقة حكمة التصرف :
إذا كان حديثنا فيما سبق يتركز على اللباقة والتهذيب في الكلام فإن الإيجاز والتوقف عن الكلام يعتبر أحياناً لباقة؟ فغالباً ما نقوم نحن معاشر المعلمين بتذكير الدارسين والمتدربين بفن وأصول الاستماع والإصغاء الفعال . على سبيل المثال لو أنك كنت تلقي خطبة وهناك أناس تحت المطر أو في القيظ الحار فإنه من النباهة عليك أن توجز كل الإيجاز في الحديث . وبالمثل لو تعطل مكيف الهواء وأصبح الجو خانقاً على المستمعين فيجب عليك التوقف عن الكلام . ويعرف هذا في فن الاتصال بـ (Time of Communication) فليس المهم رمي الرسالة على الناس دون مراعاة الظروف المحيطة . ويشبه ذلك ما إذا كان لدينا طرد وقد تعين علينا تسليمه لشخص محدد ولكننا لم نجد العنوان الصحيح . فإنه ليس من الحكمة أن نقوم بالتخلص منه وتسليمه لأي شخص كان ، بل لابد من الاحتفاظ به وتسليمه في الوقت المناسب وعلى العنوان الصحيح.
ونحن كثيراً ما نقرأ مواقف وأحداث ونتعلم منها حكمة الرد أو طريقة الاستجابة لها وكأن اللباقة تمثل الحكمة في القول والتصرف في وقت واحد . ويحضرنا هنا ما كتبه (طه حسين) في كتاب “الأيام” حيث يروي حادثة الإضراب التي قام بها طلبة الجامعة المصرية ضد أستاذهم المستشرق الكبير “ناليننو” وكان ذلك بسبب اعتداء إيطاليا على ليبيا وكان الإضراب نوع من الاحتجاج وقد امتنع الطلاب عن الحضور فلما دخل (ناليننو) وجد القاعة فارغة إلا من الكراسي الصامتة! عندها خرج ماراً على الطلبة الغاضبين في فناء الجامعة وخاطبهم بصوت عربي فصيح قائلاً “مثلكم – أيها السادة – مثل من أراد أن يغيظ امرأته فخصى نفسه”!!
وقد جاء في تراثنا العربي والإسلامي زخم كبير من الأقوال الدالة على “ربط اللسان بالعقل” وبذلك نستطيع أن نتبين أن “اللباقة” ليست كلمات تخرج من بين الشفتين ولكنها أداة دالة على مكنون ومعدن الإنسان ورجاحة عقله ، يقول الإمام علي (تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه) وقال (صورة المرأة في وجهها وصورة الرجل في منطقه) (الألسن تترجم عما تجنه الضمائر) (يستدل على عقل كل امرئ بما يجري على لسانه) وقال أيضاً (إن في الإنسان عشر خصال يظهرها لسانه : شاهد يخبر عن الضمير وحاكم يفصل بين الخطاب وناطق يرد به الجواب وشافع يدرك به الحاجة وواصف يعرف به الأشياء وأمير يأمر بالحسن وواعظ ينهى عن القبيح ومعز تسكن به الأحزان وحاضر تجلى به الضغائن وموفق تلتذ به الأسماع) . وهكذا تتجلى لنا صورة جمال الرجل بفصاحة لسانه وطيب القيم والمبادئ التي تنبعث رائحتها في طيات لسانه .
فاللباقة لها صور متعددة فالإنسان قطعة كريستال له صورة لا معة الضوء ومتعددة الجوانب ويعتمد ذلك على مخزون القيم لدى الإنسان والذي يتحرك من خلاله في قراءة المواقف والأحداث ، فعندما نتعرض للإساءة قد نرد عليها بالمثل وقد ندعو لصاحبها بالهداية (والله يحب المحسنين) على سبيل المثال طالعنا تحت عنوان (ظرف حجازي) في نوادر الفقهاء والطفيليين ، إعداد مفيد قميحة أنه نظر حازم المديني – وكان من أعبد الناس وأزهدهم – إلى امرأة تطوف بالبيت مسفرة أحسن من خلق الله وجهاً فقال : أيتها المرأة اتق الله فقد شغلت الناس عن الطواف . فقالت : أو ما تعرفني؟ قال : من أنت؟ فقالت :
من اللائي لم يحججن يبغين حسبة ولكن ليقتلن البريء المغفلا
فقال : فإن أسأن الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار . فبلغ ذلك سعيد بن المسيب ، فقال : رحم الله حازماً أما والله لو كان بعض عباد العراق لقال : أغربي يا عدوة الله ولكنه ظرف أهل الحجاز!
وكان من بين ذوق وآداب العرب ولباقتهم أيضاً اختيار اللفظ المناسب الذي لا يؤول أو يحتمل معنى مخالف للذوق العام . وانطلاقاً من قناعتهم بالقول البلاغي المشهور “لكل مقام مقال” أو ما يعرف “بمطابقة المقام لمقتضى الحال” . يذكر في هذا المقام (الأنبا ري) صاحب كتاب “نزهة الألباء” تحقيق محمد أبو الفضل أنه كان عند المهدي مؤدب يؤدب الرشيد فدعاه يوماً المهدي وهي يستاك فقال له : كيف تأمر من السواك؟ فقال : إستك يا أمير المؤمنين؟! فقال المهدي: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم قال : التمسوا لنا من هو أفهم من هذا الرجل فقالوا: رجل يقال له : علي بن حمزة ألكسائي من أهل الكوفة قدم من البادية قريباً فطلب إحضاره فلما دخل عليه قال له : يا علي بن حمزة كيف تأمر من السواك؟ فقال: سك فاك يا أمير المؤمنين ، فقال : أحسنت وأصبت وأمر له بعشرة آلاف درهم . “انتهى الخبر” .
اللباقة نوع من الذكاء الاجتماعي :
واللباقة من خلال الاسترخاء والدعابة نجدها في كتابات الحكاية الفكاهية وهي فن راق من فنون الكتابة العربية ، فقد أبدع في روايتها وكتابتها كثيرون في تراثنا العربي . نذكر منهم عبدالرحمن بن علي الجوزي في كتابه الفكاهي التراثي “الأذكياء” والجاحظ في كتابه “البخلاء” والعديد من النوادر المروية في “العقد الفريد” لابن عبد ربه وغيرهم .
أما على الصعيد العالمي فقد تدفقت علينا كتب جديرة بالمطالعة وقد تميز بعض هذه الكتب بأنها طرزت لنا سمة “اللباقة” بثوب جديد كما هو الحال في كتاب “الذكاء العاطفي” لمؤلفه داهيل جولمان (The Emotional Intelligence) وقد عالج الكتاب تلك النظرة الضيقة للذكاء والتي تختصر المقولة في أن الذكاء هو حاصل المعطيات الوراثية؟
فاللباقة نوع من الذكاء هذا إذا تجاوزنا مقولة علماء النفس ا لتقليدية بأن الذكاء هو حاصل قسمة العمر العقلي على العمر الزمني؟! وهذا يتوافق مع ما كتبه (هنري برجسون) في كتابه (الضحك) عندما يثير السؤال التالي : لماذا نضحك من خطيب يعطس في اللحظة التي يبلغ فيها الخطاب أقصى حماسته؟ ولماذا تضحكنا هذه الجملة التأبينية التي قالها الفيلسوف الألماني “كان رحمه الله فاضلاً سميناً”؟! السبب في نظر الكاتب يكمن في لفت الانتباه والانتقال فجأة من عالم الروح إلى عالم الجسد. وفي هذا السياق نستشهد بما قام به الكاتب الساخر “مارك توين” حين كان يحاضر عن موضوع “الأمانة” وكان المستمعون متهيئون لسماع بعض الدعابات وأجواء من المرح لكن موضوع “الأمانة” من الموضوعات الجادة وكان الكاتب لبيب ولبق بمعنى أنه كان يريد أن يفاجئ الجمهور بدعابة ولكنها ضمن توقيت معين! فاستمر الكاتب الساخر يتحدث بوقار وسكينة عن “الأمانة” قائلاً : عندما كنت صغيراً شاهدت عربة بطيخ جعلتني أشعر بإغراء شديد للسرقة! فتسللت نحو العربة وسرقت بطيخة وابتعدت بها إلى زاوية الشارع لكي التهمها ، لكني لم أكد أضع أسناني في البطيخة حتى توقفت فجأة؟ فقد سيطر علي إحساس غريب جعلني أحمل البطيخة إلى العربة . . وقبل أن يصل الموقف الدرامي إلى نهايته ، ويصفق الجمهور لأمانة (مارك) علق الكاتب الساخر مبيناً دوافعه النبيلة لإعادة البطيخة المسروقة (. . عدت بها . . لاستبدلها ببطيخة ناضجة)! .
فن إزاحة الكآبة :
ومن الدراسات النفسية المتميزة لظاهرة اللباقة هي تلك الدراسات التي ربطت بين الأفكار في العقل وبالحالة النفسية للإنسان . فقد يكون للناس مجموعة من الأفكار الكئيبة والعدوانية التي ترد على أذهانهم بمجرد الشعور بالتعاسة . ومن المفارقات في هذه الدراسات أن الأفراد الذين يعانون من الاكتئاب يستخدمون الموضوعات التي تبعث على العدوانية والاكتئاب . لذا يفضل علماء النفس استخدام وسائل معاكسة للخروج من الكآبة . على سبيل المثال قام أحد علماء الاجتماع بتوظيف تلك الاستراتيجية وبشكل لبق حين دعي إلى إلقاء محاضرة في الأخلاق والسلوك في أحد السجون! فحين توجه المحاضر إلى المنصة تعثر (أمام جمهور السجناء) بالسجادة وسقط؟! فضج السجناء العتاة بالضحك في لحظة تهكم وعدوانية تجاه (الخطيب المفوه)! غير أن المحاضر العارف بالنفسيات وما يخالج العقول نهض بهدوء حيث ترسمت على محياه ابتسامة جلها أمل وثقة وقال : (لقد أردت أن أقول لكم أيها السادة أن الإنسان قد يسقط ، لكنه يستطيع النهوض ثانية حين يريد)!! عندها صفق السجناء احتراماً لذلك التصرف اللبق . لقد استطاع (المحاضر) أن يبدل مثلبة تعثره بالسجادة إلى موعظة!
إن حديثنا عن اللباقة يبعث برسالة حانية للمحيطين بنا ويبعث بصور من تراثنا الزاخر ليعزز القدرة فينا على أن نكون حاذقين اجتماعياً ولتكون قدرتنا أفضل فيما نرسله من إشارات وألفاظ نضمن بواسطتها الحفاظ على تأسيس بنية معرفية لمجتمع مهذب _ إنها بشكل مباشر – الوسيلة التي تضمن عدم تسرب الانفعالات المزعجة التي تسبب الضيق والكدر إلى علاقاتنا وقد حدثنا معلم البشرية الرسول (ص) “إن في الناس شر لو بدا ما تعاشروا” أو كما عبر القرآن الكريم (والكاظمين الغيض والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) .
ونحن جميعاً بحاجة إلى قواعد ونماذج نتذكرها ولا مانع من وضع ورقة الحكم والمقولات الجميلة أمام أعيننا في المكاتب وغيرها لتنغرس في اللاوعي . إن أكبر الحكمة هي التكرار اليومي للحكمة . فليس البراعة أن نقرأ الكتب الكثيرة وهي كالزبد بل يجب قراءة الكتب القيمة عدد من المرات لنكتشف الجديد فيها . وبحسب ما ذكره (اينشتاين) أن اكتشاف الحقيقة مرة واحدة غير كاف فهي تشبه تمثال الرخام المنصوب في الصحراء مهدد بالطمر من الرمال المتحركة مع الريح فلا بد من تنظيفه الدائم لكي نحافظ على لمعانه تحت أشعة الشمس .
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54