المثقف الخليجي
المثقف الخليجي
اللجوء إلى الديمقراطية رداً على قوة المال والتمسك بالقبيلة
((د.منصورالقطري))
يتسم البحث عن دور المثقف في الخليج العربي بقدر غير قليل من الصعوبة . خصوصاً إذا كان زمن هذا الدور لا ينفصل عن الأحداث العربية والإسلامية . فالتجربة في هذه المنطقة حتى منتصف هذا القرن لم تخرج في تشكيلاتها وتكتلاتها عن مرجعيات المدارس والتيارات الفكرية في الوطن العربي .
والسؤال المحوري هنا :هل من الممكن أن نرسم خريطة اجتماعية لطبقة جديدة تدفع باتجاه المزيد من الديمقراطية مقارنة بدور طبقة المثقفين من خلال التطورات الاقتصادية والسياسية والتي يتعرض لها إنسان هذه المنطقة؟
تاريخياً كان المثقف الخليجي ولا يزال في طليعة الصفوف التي قادت حركة النهوض والتطور طوال هذه الحقبة الزمنية وكان في مقدمة القوى الاجتماعية التي صاغت مسيرة الحياة على ضفاف مياه الخليج . ولم يتخشب دور هذه الشريحة على جوانب الفكر والإبداع والثقافة بل شمل جميع أوجه الحياة وانخرط في برامج وخطط الدول الخليجية التنموية ولعب دوراً بارزاً في مجالسها الاستشارية والنيابية .
وأول ما يميز تجربة هذا الإنسان أنه كان بعيداً عن الانقسامات الحادة التي شهدها المجتمع العربي في فترة الاستقلال الوطني وتحرير الأرض من المستعمر وما تبع ذلك من ثورات وتحالفات حيث تتراجع فئة من المثقفين ويلمع بريق فئة أخرى . ووقع البعض في فخ التصفيات الأيديولوجية حيث برزت من حينه ظاهرة (الكاتب الأيديولوجي) حيث مارس البعض دور الدعاية والتحريض المطلوبين من قبل السلطة – سلطة الحزب أو سلطة الدولة – والذي يهبط بالمهمة الثقافية ومن مستواها الحضاري المقترن بحرية التفكير وموضوعية التأمل .
ولم ينسلخ المثقف الخليجي تماماً عما يجري في الساحة العربية بل تأثر بالانقسامات وكان في الاغلب تابعاً وليس مؤثراً فيما يجري في مواقع عربية متعددة كمصر مثلاً . وذلك عندما حدث الصدام في الخمسينات بين التيارات المختلفة .
قوة المال والقبيلة :
لكن المثقف الخليجي تهيأ له دور هادئ وفاعل في العصر النفطي حيث بدأت إمارات الخليج تتحول إلى دول وكانت بحاجة إلى كيانات سياسية وإدارية تمكنها من السيطرة على ثرواتها وتوجيه عائداتها . هنا بدأ المثقف الخليجي يواجه معضلة العقلية العشائرية التي كانت سائدة قبل قيام الدولة وأخذت تنسحب على جميع الأوضاع . وإذا جاز لنا التعبير نقول: أن (المثقف العربي) عموما عانى من معضلة التحول من الثورة إلى الدولة بينما (المثقف الخليجي) عانى من معضلة تحول القبيلة إلى دولة .
والانتقال من المجتمع القبلي ا لتقليدي إلى مجتمع مدني معاصر قائم على المؤسسات والدستور كان لابد وأن يمر بعدة إرهاصات وصعوبات فرضتها ظروف التنمية وظروف الحياة الجديدة . حيث اختلت المعادلة السكانية نظراً لحاجة المنطقة لاستقدام عمالة أجنبية بحيث زاد عدد الوافدين وبرزت المشكلة السكانية والبطالة والجريمة وتسربت قيم دخيلة . وأثناء ذلك حدثت الطفرة الاقتصادية وفتحت الأبواب أمام الأسواق العالمية عندها ترسمت معالم ثلاث فئات اجتماعية وهم الأثرياء ، الطبقة الوسطى والفقراء . وكان الدور الأعظم لطبقة رجال الأعمال حيث تقلص دور الطبقة الوسطى والتي ينتمي لها المثقفون . ومما ساعد في بروز هذه الطبقة هو سياسة الانفتاح الاقتصادي وتسرب النموذج الأجنبي في طريقة حياة الناس حتى أصبح الكل يجري والناس لا تملك إلا أن تلاحق تلك الهرولة فتهرول معها . الكل يسعى إلى اغتنام لحظته في تلهف عجيب ولا يسع الناس إلى أن تعتصر المصلحة واللذة والمكسب “There is no time to lose. It is now or never“.
كل ذلك أتاح الفرصة لظهور ونمو هذه الطبقة الجديدة . حتى أن الغرف التجارية تبوأت موقعاً ريادياً أثناء تشكيل المجالس النيابية وأخذ رجال الأعمال يشاركون بشكل مباشر وغير مباشر في القرار السياسي . والسؤال هل ستعمل هذه الطبقة الجديدة على زرع القيم الديمقراطية وإشاعة روح المشاركة في صناعة القرار؟ وهل تملك هذه الطبقة (رؤية – Vision) بخصوص قضية التقدم الاجتماعي؟ أم أنها تتعايش مع ما تفرضه وتمليه عليه مصالحها؟
والحقيقة أن هناك فارق وحيدا بين ما يجري في المجتمعات المتقدمة وبين ما يجري في منطقتنا؟ هناك تتم دراسات وبحوث حول علاقة الأحزاب بالطبقات الاجتماعية ومكانة المال والمواطن وحول قضايا التصويت وعلاقة الموقع الاجتماعي- الاقتصادي بالسلوك السياسي لهذه الشرائح . في أمريكا تقوم المؤسسات البحثية بأنشطة تجسد المعنى السابق ومن بينها على سبيل المثال لا الحصر ما يقوم به مركز الدراسات الدولية في معهد التقنية في ماسوتيتس وكذلك المركز الوطني لسلامة الأداء السياسيCenter For Public Integrity . فانعدام أدوات ومؤسسات البحث والدراسات هو الذي يجعل الصورة لدينا غامضة وضبابية حول مجيء طبقة وانتعاش أخرى .
تحول اجتماعي صامت :
ويمكننا أن نستشف من تلك التداعيات والتحولات أن الخليج في وضعه الراهن يمر بحالة انقلاب صامت في البناء الاجتماعي . فغياب نموذج تنموي واضح لهذه الإمارات هيأ لميلاد طبقة جديدة تشبه الرأسمالية الأوروبية والتي يسمح لها ثقلها من أن تحل محل القطاع العام في ظل برامج الخصخصة .
وبعيداً عن الاستفهام حول نشوء هذه الطبقة الجديدة وما يتوقعه المجتمع من دور لهذه الطبقة يلوح في الأفق لمسات وعطاءات شريحة المثقفين . فقبل هذا الثراء وهذا الانفتاح الاقتصادي كانت ثمرات جهود المثقف الخليجي واضحة المعالم حيث تمثلت عطاءاته في اختصار المسيرة الديمقراطية ، كما عمل المثقف على دفع الكثير من المؤسسات القانونية والحقوقية إلى حيز الواقع .
وخير نموذج كان في تجربة الكويت حيث علق أحد السفراء الأجانب على الانتخابات الكويتية معرباً عن إعجابه بأن هذه التجربة لها ظاهرتان .
أولاً : شفافية مجريات المعركة الانتخابية بحيث ظهر هذا البلد وكأن عمره الديمقراطي مئات السنين وليس فقط عقدين أو ثلاثة من السنين .
ثانياً : أن الاستحقاق الانتخابي التشريعي الحالي أو السابق رسخ وجود ديمقراطية على الطريقة الكويتية تنطلق من خصوصية هذا البلد وتقاليده . ولعل الكويت هي الدولة الوحيدة في العالم الثالث التي طعمت الديمقراطية بمذاقها ويقصد بذلك تجربة (الديوانية) وهي عبارة عن خيمة كبيرة يحاكم فيها الناس ( الناخبون) أفكار وتاريخ المرشح وتجري حوارات على طريقة (سين جيم) يدور النقاش بين الناخبين والمرشحين حول برامجهم وأفكارهم وتوجه لهم انتقادات وأسئلة خالية من أي مداهنة . ولا زال التمني قائم لكي تعمم تجربة الديوانية في الكويت على بقية دول الخليج وذلك لتشابه الظروف الاجتماعية والثقافية وأيضاً لكونها ظاهرة ثقافية صحية.
والصورة ليست كلها ناصعة فحين انتشر التعليم المجاني الحكومي في منطقة الخليج كان هناك صعود كمي في عدد المتعلمين ومعدلات محو الأمية لكن الثقافة تعيش حالة التشويش فالثقافة مهملة خصوصاً في ظل تحول المجتمع وبشكل سريع إلى مجتمع استهلاكي حيث انشغل هذا الجيل عن الثقافة وتركز اهتمامه على الجوانب المادية في الحياة . وكثر أدعياء الثقافة من حملة الشهادات وكأننا نعاني من عقدة الدكتوراه حتى أن بعض مجالسنا الاستشارية أصيبت بالتخمة من حملة الشهادات (PH.D Holders) . وهنا أستذكر عبارة جميلة لـ “طه حسين” يقول فيها : “إن بناء مكتبة وسدها العجز الذي يعانيه الطلبة . . خير عندي من بناء جامعة . فإن عشرة طلبة مثقفين خير عندي من مائة خريج سطحي”!!
فاعلية النخبة :
والحقيقة أن تهميش دور النخبة المثقفة في مشوار التنمية له سلبيات كثيرة ولا يقل سلبية عن مجيء دور طبقة رجال الأعمال أو أي طبقة جديدة وبدون مقاييس ومعايير واضحة لاختيارها . ونقصد هنا ظاهرة عدم كفاءة القادمين إلى المجالس المنتخبة . سواء من حملة الشهادات أو رجال الأعمال .
ومن المفارقات العجيبة أن الزعيم الألماني “ادولف هتلر” قد ذكر في كتابه المشهور (كفاحي)والذي نشر في الثلاثينات والذي معظم رفوف مكتباتنا العربية تضم نسخ من هذا الكتاب حيث يحذر فيه من انتشار هذه الظاهرة .
يقول : “إن نظامنا البرلماني بحالته الراهنة لا يهمه قيام مجلس نيابي تحشد فيه الكفاءات بقدر ما يهمه حشد قطيع من الأصفار يسهل توجيهها” .
فهل نحن بحاجة إلى إعادة قراءة التاريخ مرة أخرى؟
لذا يحق للمثقف الخليجي أن يشكل ويكتب حول مستقبل الديمقراطية خصوصاً إذا كانت – صناعة الثقافة – سوف تكون بيد “طبقة جديدة” والتي تملك الأموال اللازمة للإنتاج عبر مؤسسات وشركات سواء صحفية أو راديو أو تلفزيون أن السيطرة على دور النشر أو شركات صناعة السينما والدبلجة والمسرح فضلاً عن مراكز البحث وقاعات العرض ومعاهد الفنون والمحطات الفضائية . وكأن هناك “مافيا ثقافية” وراء ما يجري وكأن الظاهرة لا تخص المثقف في الخليج أو في الوطن العربي بل لها امتدادها العالمي وفي هذا يعلق المفكر الفرنسي (ريجيس دوبريه) : “بأن السر في تراجع دور المثقف على صعيد عالمي يكمن في الرواج العالمي للصورة الإعلامية على حساب الكلمة المكتوبة . فلم يعد (المثقف) هو الذي يصنع العالم ، فهناك فاعلون اجتماعيون جدد هم الأقدر على صنع العالم وإعطائه معنى . إنهم رجال الأعمال و مصمموا الأزياء ونجوم الغناء وأبطال الشاشة ولاعبو كرة القد ومهندسوا الحواسيب وأباطرة المؤسسات الإعلامية” .
وهكذا ينقدح السؤال حول من الذي حدد ملامح هذه الطبقة وما هي المقاييس التي على أساسها تم اختيارها وهل ستقوم بدور مشابه لدور الرأسمالية الأوروبية أم ما لدينا لا يعدو أن يكون رأسمالية مصنوعة فرضت على مجتمعاتنا فرضاً!!؟ أسئلة وتحفظات على ما سوف تفرزه هذه الطبقة الجديدة؟
المثقفون الحقيقيون كانوا يشرفون على (صناعة الثقافة) ومنابرها المتعدد بمعنى أن الثقافة كانت في أيدي مبدعيها لا في أيدي أشباه المثقفين أو في أيدي طبقة غامضة؟
في حينها كان للثقافة عمقها ووعيها ودورها المتقدم والموازي للظرف السياسي الذي تمر به الأمة؟
ونحن عندما نثير الأسئلة وعلامات الاستفهام بهدف التحريض على التفكير العميق ، فإننا نلتقي مع الدكتور/ عبدالله الغذامي ونشاطره الرأي حيث يقول . . “إن معضلة المثقف العربي على مدى القرنين اللذين مرا بنا أنه ظل يقدم إجابات للناس ، والناس بعيدون عن هذه الإجابات والمطلوب الآن هو أن نكف عن تقديم الحلول والإجابات كمثقفين وأن نسعى إلى تحفيز الناس والجمهور العريض إلى أن يبحث بنفسه عن حلوله وإجاباته” .
