Warning: "continue" targeting switch is equivalent to "break". Did you mean to use "continue 2"? in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/builder/functions.php on line 4943
مقاومة الدعاية نحو تأسيس بنية تحتية لحماية حقوق المستهلك - https://www.qatarim.net

Select Page

مقاومة الدعاية نحو تأسيس بنية تحتية لحماية حقوق المستهلك

مقاومة الدعاية نحو تأسيس بنية تحتية لحماية حقوق المستهلك

 الإعلان يمكن تعريفه بأنه علم تجميد الذكاء البشري وقت كافي لسحب المال منه..
ستيفن ليكوك

 

نشهد كل يوم سيل مريع من الإعلانات ففي كل يوم يتفاجأ الناس بآلية جذب ساحرة لثقافة الاستهلاك تختزن بهدوء عقيدة (عدم ضبط الذات ) وهيجان (الأنا الاقتصادي) بما تثيره منظومة السيطرة الدعائية على ذهنية الناس حتى لا يكاد المرء أن يتريث ويتأمل الضربات المرتدة من (ديكتاتورية الدعاية والإعلان ) والتي بلا شك تفوق في قوتها مثابرات الناس البسطاء .

       وقد يحق لنا السؤال ما الذي يمكن فعله في قبال سلطة الدعاية والإعلان البالغة التهافت والتي توحي بمزيد من الهيمنة والانتشار ؟ من أينَ يأتي الانطباع المتزايد لدينا بأننا نعيش مفخخين داخل سيطرة إعلانية (معولمة) بحيث يكون من العبث مساءلتها ومن غير المجدي تحليلها بل ومن غير المعقول معارضتها أو حتى مجرد التفكير في التحرر من آثارها ؟ ( اربح مليون ؟ ) ( اربح أربعة ملايين ؟؟ ) 

       إنك لا تستطيع أن تمنع أبنائك من أن لا يجمعوا عبوات البيبسي الفارغة ولا تستطيع أن تمنع جيرانك وعشيرتك وأصدقائك ولا تستطيع أن تمنع ذلك الشاب المتزوج الذي أثقلته الديون أن يحلم ولا تلك الأسرة الفقيرة أن تفرح ؟ إنهم يزحفون إلى “مهرجان الشراء ” وأنتَ لا تستطيع أن تقف أمام هذا الزحف ! قد تنحني حتى تمر العاصفة لكن هذه الانحناءة قد تطول ؟! 

 أقول: لماذا الانحناء ؟ لماذا لا بدَ أن نوافق باستمرار مرغمين كما لو كنا عالقين في كماشة ومحاطين بقوى قهرية مبثوثة تستتبع كل الأقاليم راسخة لا تقبل الاقتلاع وكأنها هي الحالة الطبيعية التي شاء لها أن تنبت في مناخنا .

 

 

   شيء من التريث :

       تحفظنا هو أن لا تكون هناك وقفة تأمل تجعل من البساطة مشاهدة اللعبة الإعلانية لأنها تتم بمرأى من الجميع ولأنها تتم في وضح النهار لا بصورة سرية بحيث نستطيع جميعاً منع ” هستيريا الاستهلاك ” وبناء حواجز إسمنتية تشغل الميدان المتروك لثقافة الربح وعصاب الكسب و نؤطر لحالة الانجذاب إلى الربح الجاهز .

       يجب انتزاع مفردات هذا القاموس الوفير المركب من مصطلحات لها مهارة الإقناع والتلاعب بالعقول لأنها تتسلل بصورة ماكرة إلى سلوك الناس وتقتحم بيوت حتى من يعارضون ثقافة الاستهلاك أو يدعون الوعي والثقافة .

       إنَ الهاجس يتوجه نحو النزعة الاجتماعية التي استشرت في النفوس لكي يلتحق الجميع بجوقة ( الأثرياء الجدد ) أو بما سميَّ (بالثراء الوقح) والذي يعكس ويكشف الرغبة في التفرد والتمايز عند البعض باعتباره وسيلة للظهور.

       إنَ هذه السطور تختزن التحذير والتنبيه وكذلك الخوف من أن يصبح الثراء (منقبة) يمكن الحصول عليها من خلال علة بيبسي فارغة يمكن التقاطها من النفايات . إنه الخوف من حالة الهرولة في مهرجانات التسوق معَ القطيع حيثُ يدق ناقوس الكلمة المأثورة ( كن في الناس ولا تكن معَ الناس ) . وإذا شئنا الإفصاح قلنا أنه التحفظ في أن يكون الثراء فضيلة ومنقبة ينافس فضيلة الصدق وطلب العلم والأمانة والدفاع عن الوطن؟

       ولمزيد من التوضيح أو احترازاً من سوء الفهم نقول أن هذه السطور ليست ضد الغنى والثراء كحالة طبيعية منسجمة معَ الرؤية الإسلامية من أن المال مال الله والناس منتفعون ومستخلفون فيه وقد يتذكر البعض مقولة الأمام علي بن أبي طالب ( لو تجسدَ لي الفقر رجلاً لقتلته ) فهذه السطور تنشد التوازن فهي بعيدة عن رائحة الماركسية التي تهوى توزيع الفقر على الناس وفي الوقت نفسه لا تعبر عن لغة كاهن زهد في الدنيا وطلق متاعها . ” والذينَ إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بينَ ذلك قواماً ” الفرقان (67)

 العولمة ( اختبار نفسي سياسي ) :

يقول نورمان دوجلاس(تستطيع أن تتعرف على مبادئ وقيم أي امة بمشاهدة إعلاناتها ).إنَ الذي يؤرق ويجعلنا نلتحق بـِ ( نادي المقروحين ) هو ذلك الإفراز المصاحب لمشروع العولمة وآليات السوق الحرة وعلاقته بمنظومة القيم الاجتماعية بحيث أخذت تتآكل تدريجياً قيم راسخة في مجتمعنا كالانتماء وقيم التحصيل والإنتاج والقناعة والتفوق العلمي وفعل الخير وتبدلت عوضاً عنها قيم حب الظهور والكسب السريع والرغبة الجامحة في الاقتناء بحيث ترسم في خيال الناس أن امتلاك المال هو المفتاح السحري لتحقيق السعادة ! وغابَ عن أذهانهم أن الإنسان السعيد هو الشخص الذي يمتلك من عناصر الثراء الداخلي ما لا يحتاج معه إلى القليل من العالم الخارجي . ومما يعزز مقولتنا أن سقراط حينَ توجه ذات مرة إلى السوق وتأمل كثافة السلع المعروضة هتفَ وسط تلامذته قائلاً (ألا ما أكثر الأشياء التي لا احتاج إليها ) !؟ وكأن سقراط يؤكد على أن السعادة هي (الاكتفاء الذاتي ) بمعنى ( ضبط الشهوات ) فالإنسان من طبيعته الغريزية حب التملك بلا حدود ( فلو ملكَ الإنسان نساء مدينة بكاملها لسعى إلى تملك نساء مدينة ثانية ؟!) .

       وإلى جانب ذلك هناك ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي تتصل بطبيعة البناء الاجتماعي في هيكلية المجتمعات العربية فهي أي المجتمعات العربية آخذة في النشوء والتشكيل بصورة جديدة وبقاعدة شبابية . فالشباب يمثلون الغالبية الساحقة وذلك على العكس من المجتمعات الغربية التي يمثل فيها كبار السن الأكثرية. ولأنَ نسبة غير قليلة من ( الأثرياء الجدد ) برزوا للسطح الاجتماعي عن طريق الكسب السريع والسهل وبدون بنية ثقافية سليمة ولا رصيد قيمي وأخلاقي يؤهلها أن تمارس دوراً اجتماعي أو وطني . وكأنهم جثث طفت إلى السطح الاجتماعي بعد أن رفضتهم الأرض أو كما عبرَ الأمام الشافعي (رضي الله عنه) في قوله:

              أما ترى البحر تعلو فوقه جيفُ           وتستقر بأقصى قاعه الدررُ

       إنَ شريحة (الأثرياء الجدد) حتماً لا يتذوقون القراءة والعلم ولا ينشغلون بالهم الثقافي بل ولا حتى يستطعمون مقالة تهذب وجدانهم وتعدل من اتجاهاتهم المادية فهم محرومون من ” اللذات المعنوية ” ويحضرني ما قاله الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه إلى تلامذته ( لو رأى الملوك وأبناء الملوك ما نحنُ فيه من لذة العلم لقاتلونا عليه بالسيوف ). أن معظم الذين نالوا الغنى وتجاوزوا بذلك مرحلة الصراع معَ مشكلات الفقر ليسوا في الحقيقة بأقل تعاسة من الفقراء . أنهم لا يعرفون ” الاحتياجات العقلية ” ويعرف الجميع أن تلك الشريحة التي نالت الثراء في عز الطفرة ( وبعدَ مشروع السوق الحرة العالمي ) هي شريحة بطبيعتها وبحكم منشأها وتكوينها لا تعرف إلا (المتع الحسية ) فاستهلاك الطعام الفاخر والملذات الجنسية واقتناء الأثاث وأحدث طراز من السيارات ومتابعة البورصة وأسعار الأسهم والتسكع في الأسواق الراقية لشراء الكماليات من السلع وجميعها من الملذات الحسية سريعة الذوبان !؟

 

 جيل ” أنا أولاً ” :

       لا ينكر أحد أنَ الثقافة الحالية التي أوشكت أن تكون مفروضة عالمياً قد قننت مسؤولية الفرد عمن حوله وكأنها تقول للناس : ” ليهتم كل واحد بنفسه ” … أما المجتمع فليذهب إلى الجحيم ! هذه الثقافة أشاعت نمط من “الأنانية” وهي معاكسة لثقافتنا الإسلامية التي جعلت التكافل من أركان الإيمان وهذه الوضعية تجعلنا نفتح ملف مسؤولية هذه الشريحة ودورها في المجتمع . فلم نسمع أن أحداً من هذه الشريحة بنى مدرسة أو مستشفى أو مكتبة أو تكفل بالمتفوقين دراسياً في مجتمعه المحلي أو رعى أيتاماً ومحتاجين . ولم نجد سوى التشرنق حول الذات في الاستراحات الخاصة والمنتجعات السياحية . وإذا كان هناك شذوذ عن القاعدة فهي حالات استثنائية تستحق الاحترام والتقدير . لكنها تظل حالات فردية لا يقاس عليها !

       ختاماً أقول أن أكثر ما يهمنا في الموضوع ليسَ ذوات الأثرياء أو شأنهم وأن كنا قد لمسنا نمط علاقتهم بالمجتمع . لكن الأهم هو ” تفكيك مضمون الثقافة السائدة “ واستشهد بموقف أو درس تربوي مستمد من تراثنا يعكس حالة الصراع بينَ المال والولاء للوطن , فهذا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضيَّ الله عنه يعترض على مؤدب ولده الذي قدمَ قصيدة ( لعروة بن الورد ) تتضمن أبيات تدعو إلى أن يهجر الإنسان وطنه إذا اشتدَّ حال الفقر حيثُ يقول فيها عروة لزوجته :

                     دعيني للغنى أسعـى فإني رأيت الناسَ شرهم الفقير

                     وأبعدهم وأهونهم عليهم    وإنَ مسَ له حسب وخير

                     ويقصيه الندى وتزدريه     حليلته وينهره الصغــير

       وعندما يعترض عبد الله بن جعفر على القيم التي سوفَ تشكل ذهنية ومواقف أولاده مرده أن الشعر في تلكَ الفترة كانَ يمثل الوسيلة الإعلامية المعبرة عن روح القيم السائدة . لذا فقد نحتاج وباستمرار إلى أن نتذكر أنَ الانحناء حتى تمر العاصفة قد يطول ؟ كما أن الزحف إلى مهرجانات الشراء لن يتوقف ؟ وأنصح القارئ العزيز أن يضع كلمة يتذكرها دوماً ” إنَ قيمة الإنسان الحقيقة بقدر ما يعطي لا بقدر ما يملك “ . 

من كتاب رصيد الحكمة

"الحكمة ضالة المؤمن"

للتواصل: qatarim@hotmail.com