Warning: "continue" targeting switch is equivalent to "break". Did you mean to use "continue 2"? in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/builder/functions.php on line 4943
صمت العقلاء - https://www.qatarim.net

Select Page

صمت العقلاء


Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
صمت العقلاء

(صمت العقلاء !!)
 
                                                              د . منصور القطري
                                                                                         
 
                فجأة يكتشف أحدنا أن في صدره بقية من صمت يسترخي بهدوء لكظم غيظه وللسيطرة على غضبه المتشظي . وكأن الصمت لغة للمجاهدة ولغة للنفس كي تتدرب على مشاق غالباً ما يكون حضورها مفاجئاً بحكم ما تحمله من دعوة إلى الحكمة وما تنطوي عليه من عزة وإباء .
        فالصمت ثقافياً له ميكانزمات حوارية شديدة التأثير تستخدمه الشعوب المختلفة للتعبير عن هويتها وتمايزها فيما تظل دلالاته تتوهج بسبب فعله الجماهيري ولأنه يختزن أبعاد مناقبية تضمنته جميع الأديان أثناء أداء شعائرها التعبدية (إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا) سورة مريم .
        فالمعلم ذو الشخصية القوية يلوذ بالصمت كميكانزم للسيطرة على فوضى الطلاب وكذلك طلاب الجامعات يوظفون الصمت كوسيلة حضارية للاحتجاج وانتزاع الحقوق ويتلألأ “الصمت” في عيون فتيات أيجيبو الهندية كعنوان صارخ للرفض في حالة تقدم عريس للزواج منهن؟ وذلك بعكس صمت الفتاة العربية الدال على الموافقة والمتسربل بحمرة الخجل؟ فالعربي (يهوى السماء الزرقاء المرصعة بالنجوم).
        ويتحرك الصمت كمسهل لانسياب الحديث بين المتحاورين فهو يمثل إشارة من هذا المتحدث إلى الآخر بأن دوره في الحديث قد انتهى ويتخندق به آخر من حيث عدم رغبته في دخول الحوار . ويلوذ بالصمت من ذبحته حتى الوريد شفرة الفقر في رغيف الكلام أو من قض مضجعه حزن العشاق فتوثب في جبين الليل . وهكذا يلمع الصمت عبر ثقافات المعمورة كالذهب الذي ينبعث ببريقه الجذاب في كل الزوايا والأبعاد ، فهل الصمت متعدد الألوان؟ أم أنه يتماهى مع قوس قزح؟ أم له إيقاع ديناميكي في ثقافتنا العربية؟
        في تقديرنا ظاهرة “الصمت” ونقيضها “الثرثرة” تمثل في ثقافتنا العربية الإسلامية ميكانزم يقوم بعملية المصالحة بين ذواتنا وبين العالم الخارجي ويوفر لنا اللحاف المناسب لنمد أرجلنا وأفكارنا؟ كما أن غطاء الصمت يجعلنا نحلق في فضاء التسامي والتمرد والإسقاط والتبرير والمسايرة؟
        فالكلام بصفته ممارسة لفظية لا يخرج عن حالتين : الأولى يكون الكلام تعبيراً عن حاجة موضوعية يستدعيها الموقف لإظهار الحقيقة (فالساكت عن الحق شيطان أخرس). والحالة الثانية يكون الكلام إفرازاً غير متوازن تكون فيه الذات مشغولة بلفت انتباه الآخر وهي ممارسة غير سوية في عرف علماء النفس!
        الأنا المتعاظمة تلوذ أحياناً (بالثرثرة) لتخفيف من إحساسها بالضعف وعدم (الجدارة) حيث تتوزعها مشاعر النقص فتلجأ إلى ممارسة كثرة الكلام . ففي معظم المنتديات الاجتماعية تقوم هذه الشخصية بتصدر المجالس وتتفرد بالحديث ومن ثم تبدأ باستعراض عضلاتها اللفظية ورشاقة مفرداتها .
        شهوة (حب الكلام) تقابله سمة (الصمت) وتكون السمة الثانية إيجابية في مواضع محددة (لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل) هذه هي دلالات الصمت الذي يؤسس بنية عميقة في الحوار ومتوازنة في توقيت الاقتحام فلا خير في القول بالجهل؟
        إذاً الكلام عنوان ومؤشر تترسم من خلاله رزانة الشخصية ، فقد ورد عن النبي (ص) أنه قال : “من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت” ، وقال (سقراط الكوفة الإمام علي) “إذا تم العقل نقص الكلام” ، وقال “المرء مخبوء تحت لسانه” ،و “امسك لسانك فإنها صدقة تتصدق بها على نفسك” ، وقال لقمان لولده : “يابني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم فافتخر أنت بحسن صمتك” ، وقال الإمام الشافعي “إذا أراد أحدكم الكلام فعليه أن يفكر في كلامه فإن ظهرت المصلحة تكلم وإن شك لم يتكلم حتى تظهر” ، وقيل لرجل بم سادكم الأحنف؟ فوا لله ما كان بأكبركم سناً ولا بأكثركم مالاً . فقال : بقوة سلطانه على لسانه” .
        نحن هنا لا نروج إلى (صمت الأغبياء) فهناك صمت يعكس خواء وفراغاً ذهنياً ، فالصمت الغبي هو أحد الحيل التي تدافع بها ا لذات عن وجودها لتكون قادرة على استدراج الناس إلى فخ الديكور الخارجي! الشخصية التي تحتمي بالصمت الفارغ لديها آلية لكسب الاحترام العابر والمؤقت ، ولكنها تتماهى مع شخصية المهرج الوقور على خشبة المسرح .
        إننا نحلق هنا في فضاء صمت الحكمة ذلك الصمت الذي تحدث عنه تراثنا: (الصمت باب من أبواب الحكمة) ، (الصمت روضة الفكر)، (الصمت يكسب المحبة) ، (بكثرة الصمت تكون الهيبة) .
        اليوم يدور صراع بين (الصمت) و (الثرثرة) . لذا يحجم العاقل عن الكلام؟ ويتوارى عن الأنظار كالأنثى الخجولة في مخدعها . وتظل المساحة من الزمن شاغرة (لمحبي الكلام) يتراكمون في الصحافة وفي طابور المرثون الكلامي ليرتموا في أحضان السلطة ، فلا تستقر قصائدهم ولا كلماتهم في الأذهان لأنها لم تترعرع في مناخ مشبع بالحرية لذلك تأتي نتاجاتهم مضطربة البنية ممسوخة الهيئة حتى تكاد تخلو الساحة إلا من المصابين بالإسهال في أفواههم وأقلامهم ، وينقدح من خلال ذلك السؤال التالي :
        هل هناك نتائج سلبية إذا ما صمت العقلاء أو تم تصميتهم؟
        إن كثرة الكلام تعني شيوع مظاهر مرضية في واقعنا الاجتماعي والثقافي! ولعل من أبرز تلك النتائج السلبية هو أن الجاهل (كثير الكلام) لا يستطيع رصد عيوبنا ولا يستطيع تشخيص مواطن الضعف في حركتنا الفكرية وسيرة حياتنا الاجتماعية . هذا النمط من الشخصية مصاب بعمى الألوان وقد ينفخ في قضايا لا وجود لها ويحرف البوصلة إلى زوايا ضيقة وهامشية ، لذا قال الإمام علي : (لو سكت الجاهل لما اختلف الناس) .
        فلو قمنا بإطلاله عجولة على الجغرافيا الثقافية في مجتمعنا والتي تتصل بظاهرة “الصمت” فسوف نرصد مشاريع بحاجة إلى إعادة قراءة كما هو الحال في مشروع (الخوض في المسكوت عنه) فالحديث عن المسكوت عنه في تراثنا وثقافتنا ظاهرة جديرة بالدفع والتحفيز ، لكن لا يجب أن نخلط بين الخوض في المسكوت عنه الذي يؤصل الوعي ويؤدي إلى البناء والإبداع وبين الذي يؤدي إلى إيقاظ الفتنة وتعزيز الخلاف الكامن في النفوس المريضة .
        نعم من الممكن أن تتسع دائرة منابر الثرثرة سواء في الإعلام المرئي أو المسموعخصوصا كتابات النفاق الرسمي بل و حتى في قنوات الثقافة الشعبية كالديوانيات ومجالس الاسترخاء؟ إلا أنه التوسع يصب في مصلحة التسطيح الثقافي وستكون هذه المنابر في نهاية المطاف تكتلات من اللحوم البشرية التي تزدحم بالكثير من الصور والقليل من الإنجازات على مستوى الأمة ودورها في حيز الفعل الحضاري!! وينطبق عليها قول الإمام الأوزاعي (إذا أراد الله بقوم سوءاً أعطاهم الجدل ومنعهم العمل) ؟
        شخصية الثرثار إدعاء المعرفة وبواطن الأمور شخصية تحتمي بالصراخ وتتجاذبها العبثية والتمرد والجرأة والشعور بالنقص؟ هذه الشخصية تلمع وتلعق الأحذية ، فكثيرو الكلام يلمعون ويكتبون بهدف الإمتاع الذاتي فيخلقون وعياً مزيفاً عند الناس . ومن المؤسف أن الثرثرة كانت قديماً تتجسد بواسطة آلية واحدة وهي اللسان أم اليوم فالثرثرة لها فنون متعددة اختصرت من خلالها الإزعاج فيطل عليك الحرف والكلام عبر الشعر الشعبي المجوف إلا من بعض الكلمات الهابطة المستهلكة والتي لا تخلق ذوقاً رفيعاً لدى الجمهور أو يطل عليك الكلام من خلال كتاب الأعمدة وفي زواياهم اليومية التي أصيبت أساليبهم بالشيخوخة وكلماتهم بالترهل وأفكارهم بالاجترار! وكأنه من الضروري أن نكتب في كل يوم ونتحدث كل ساعة؟ يقول ديوجينس الفيلسوف الإغريقي (فكرة مبدعة تساوي ألف مثل سخيف)!!
        إن الشعوب المبدعة بدأت توظف آلية الصمت بشكل مغاير وأخذت تتعامل مع الصمت بعقلية متجددة فإبداعات (الصمت) تطل علينا اليوم عبر (المسرح الصامت) وتحت سقف فلسفة الحركة ولغة الجسد التي تحيل الفراغ والصمت إلى أبجديات بصرية قادرة على إثارة أفكار مجردة وهموم إنسانية ووطنية جادة . وترتكز فلسفة المسرح الصامت على فن شديد التأثير لقراءة لغة الإيماء والإشارة والحركة والتي تحقق بالكثير من الخيال وبالقليل من الجنون عنصر الدهشة والتأمل .
     إذاً الصمت كما قلنا ديناميكي في حياة الشعوب وله في ثقافتنا عمق وله حالة وسطية ومنطقية عقلائية يجب أن نتوقف عندها ونسلط الأضواء الكاشفة عليها ، فبين صمت الأغبياء الذين ليس لديهم ما يقولونه وبين ثرثرة الجهلاء هناك حالة وسطية حالة صحية هي (حكمة العقلاء) . هؤلاء لا يتحدثون إلا عند الضرورة وبدون شريحة العقلاء يكون المجتمع مريضاً مؤهلاً للفوضى ، هذه الحالة تمثل أهم مبادئ الصحة النفسية والاجتماعية (فمن كثر كلامه كثر خطؤه ومن كثر خطؤه قل حياءه ومن قل حياؤه قل ورعه ومن قل ورعه مات قلبه) .
        إن التدريب على الكلام بحكمة مهارة تحتاج في أولى خطواتها إلى معرفة الذات ومعرفة الذات هي التي تحقق للشخصية وللشعوب أبرز سمات (السواء النفسي والثقافي) فإذا لم يتحدث الأفراد ولم  تتحدث الشعوب بحكمة فمعناه عدم وجودها وعدم حيويتها وأنها تعيش على هامش الفعل الحضاري…
  يقول سقراط : تكلم كي أراك.

Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54

من كتاب رصيد الحكمة

"كُن عادلاً قبل أن تكون كريماً."

للتواصل: qatarim@hotmail.com