Notice: Trying to access array offset on value of type bool in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/builder/functions.php on line 1604
الفراغ | https://www.qatarim.net

Select Page

الفراغ

الفراغ

 الفــــراغ

 
                       د. منصور القطري
      
        الأصبغ بن نباته من تلامذة  أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب وكان يصف الإمام بقوله (كان ليصل الليل بالنهار والنهار بالليل تعباً وعملاً ) وذات يوم قال الأصبغ للإمام علىَ : يا أمير المؤمنين ألا تستريح؟ فقال الإمام : يا أصبغ كيف أنام ؟ إن نمت النهار ضيعت رعيتي وإن نمت الليل ضيعت نفسي؟!.
  يمكننا أن نستنتج من الموقف السابق دروسا متعددة فالكسل سيكولوجياً ناجم في أحد أسبابه عن الإحساس بالضعف والقصور أي : الإحساس بعدم جدارة الشخصية والعكس صحيح  . فإن النشاط يفصح عن الإحساس بالثقة والكفاءة مما يدفع صاحبه إلى ممارسة وظيفته بحيوية وتفاؤل لان  الشخصية التي تتمتع بالصحة النفسية لا تجد لديها مجالاً للفراغ أو كما قيل الفراغ مفسدة فالإنسان السوي لا يجتر مشاكله بل أنه مشغول عن ذلك بالعمل . بل أن بعض علماء النفس يعالجون مرضاهم بإشغالهم بـ(العمل) حتى لو كان ذهنياً أو عادياً لا قيمة اجتماعية له.
     إن الشخصية الناجحة السوية بالمعيار السلوكي  تتميز  بفاعلية في حياتها بحيث تنشط في ممارسة وظيفتها باعتبار أن رصيد مكونها النفسي مرتبط بمحددات (النشاط –الكسل) في الحياة بشكل عام لذا فقد قال الفيلسوف البريطاني برتراند راسل (إن آخر نتاج للحضارة هو أن يستطيع المرء ملء فراغه بذكاء).
وهناك ­­­تعاريف متعددة للكسل منها ما تشير له كتب علم اجتماع الفراغ ( هو الوقت الفائض بعد خصم الوقت المخصص للعمل والنوم والضرورات الأخرى من ساعات اليوم الأربع والعشرين)  كما إن هناك تعريف طريف حيث يقول جول رونار : الكسل هو الاعتياد على الراحة قبل التعب  . وسئل فيلسوف من هو الكسول ؟ قال : هو ذلك الشخص الذي لا يرغب المشي في الشمس حتى لا يحمل ظله !!. وبعض علماء النفس يحددون معايير للصحة النفسية بين  الشخصية السوية والشخصية الشاذة وتتمثل في  فارق لمظهرين سلوكيين هما: (الحب والعمل ) وقد جاء في الدعاء عن الرسول (ص) :اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل.
والحقيقة أن وقت الفراغ يرتبط بمنظومة القيم لحضارة أي امة من الأمم لذا فهو يصطدم بالقيم السائدة في المجتمع وباستقراء تاريخي سريع نرصد كيف أن ضعف التمسك بالقيم الأخلاقية الحاكمة في المجتمعات الإسلامية ينعكس على انهيار الحضارة لذا كانت سقطت الأندلس !! هنا نوصي بان يخضع وقت الفراغ في مجتمعنا للدراسة والتمحيص والتخطيط  و أن ينظر في القيم الناشطة في المجتمع ومن ثم تربط  نتائج تلك الدراسات بقرارات وبسياسات التنمية الاجتماعية وبرامجها حتى لا  يتحول وقت الفراغ إلى عشوائيات . وبالنظر إلى تجارب الشعوب وجديتها في العمل كتب (ميشيل ألبير ) الفرنسي في كتابه (الرأسمالية ضد الرأسمالية ):إن 10% من الذكور البالغين في اليابان يموتون بسبب كثرة العمل لذا اقترحت الحكومة اليابانية تخفيض ساعات العمل من 44ساعةالى 42 ساعة أسبوعيا واللافت هنا أن أكثر الشعب الياباني  قد خالف هذا المقترح !!. ومن أهم ما يميز تجربة كوريا الجنوبية عمل الناس هناك بلا كلل ولا ملل حتى إن عدد أيام الإجازة السنوية التي يتمتعون بها لا يتجاوز عشرين يوما. و لكي لا  نذهب بعيداً  فانه يمكننا ملاحظة العمل الدءوب من قبل العمالة الوافدة في المملكة  فهناك (17) مليار ريال  يتم تحويلها إلى الخارج سنوياً من الأراضي السعودية وهي تمثل حجم التحويلات المالية التي تبعثها العمالة الأجنبية إلى بلدانهم و (هي بالمناسبة تعادل 37% من الدخل السعودي من النفط؟!) وكأن هذه العمالة تتبع قول الرسول (ص ) :(من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفوراً له).
كما أن اغلب الدول في هذه المرحلة وظفت وقت الفراغ للأنشطة التي تخدم مجتمعاتها فاليابان على سبيل المثال تعتبر ذات نسبة متدنية من الجرائم (ومعدلات الجريمة في تناقص) بسبب النشاط التطوعي لمنظمات مكافحة الجريمة واستغلال أوقات الفراغ  حيث يوجد بها 540 ألف وحدة ارتباط كما يوجد 126 ألف متطوع من الشباب في منظمة إرشاد الشباب وكذلك النشاط النسائي المذهل (80 ألف عضوه) إلى جانب جمعية الضباط المتطوعين وقد تحدثنا ذات مرة  بالتفصيل حول فكرة شرطة المجتمع.
 الأمر اللافت أن التوصيات الدينية لا تكتفي بمجرد التحذير من الفراغ والحث على العمل بل تربط بينه وبين الهدف العبادي يقول الرسول (ص) : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) ويقول الإمام علي (أن الله ليبغض العبد الفارغ) ويقول (من كسل عن أمر دنياه فهو عن أمر آخرته أكسل) وقال أيضاً (الكسل يفسد الآخرة) هنا  نلاحظ كيف تتصاعد التوصيات فتربط قيمة العمل بالسعادة والنجاح في الحياة الدنيا.
وهناك محطة رائعة تتصل  بفئة المتقاعدين عن العمل (وهي طاقة مسكوت عنها في مجتمعنا) فقد روى عن الإمام الصادق أن أحد أصحابه وهو معاذ بن كثير كان تاجراً للألبسة وقد أعرب عن رغبته للإمام في ترك العمل بالسوق لاكتفائه المادي قائلاً : قد هممت أن أدع السوق وفي يدي شيء. فقال له الإمام الصادق : (إذا  يسقط رأيك ولا يستعان بك على شيء).
 هذا التوبيخ يستحثنا على أن نتعلم من ذلك المشهد التاريخي  درسا عظيما وهو أن العمل له تأثير كبير على نضج شخصية الفرد وكمال رأيه وسعة تجربته وكذلك له صلة بتنمية إمكاناته وقدراته الذاتية وفعاليته الاجتماعية وأن الأمر لا يتعلق بأن يملك  الإنسان المال فقط دون أن تكون له  فاعلية في المجتمع ! فقيمة الإنسان الحقيقية بقدر ما يعطي لا بقدر ما يملك.

من كتاب رصيد الحكمة

"الحكمة ضالة المؤمن"

للتواصل: qatarim@hotmail.com