Select Page

تمكين الشباب

تمكين الشباب

تمكين الشباب

 

 
د. منصور القطري
 
لا يزال الاهتمام بموضوع (التمكين)  يتصاعد في الأدبيات الغربية وهو يتضمن منح المواطن الحرية والاستقلال في حركته ونشاطه مقروناً بالمشاركة في اتخاذ القرار وتحمل المسئولية بشكل أكبر . هذا الحماس لتطبيق فكرة ( التمكين ) يتزامن مع صعود الحركة العالمية لحقوق الإنسان والتوجه نحو تخفيف القوانين (Deregulations ) على مستوى الدول ومؤسسات العمل لإعتاق الفرد من الرقابة الصارمة واللوائح البالية ومنحه المزيد من “الحرية” لكي يطلق الإنسان طاقاته وإمكانياته الذاتية بدوافع ذاتية وليس من خلال استخدام سياسة الكرباج .
 
في تقديري أن من أجمل الدروس لفكرة ( التمكين )  في مورو ثنا العربي  ما نرصده  عند مطالعة سيرة عنترة بن شداد حيث اشتهر بالفروسية والشعر والخلق الكريم . ويتلخص السرد التاريخي لهذه السيرة أن بعض إحياء العرب أغاروا على قوم من بني عبس فأصابوا منهم ، فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم وعنترة فيهم ولكنه لم يشترك في القتال خصوصا وان أباه لم يلحقه بنسبه ،وكانت روح عنترة تواقة حتى الثمالة  إلى الحرية و الإنعتاق وهو من صناديد الحرب والهيجاء يذود عن الأرض ، ويحمي العرض ، ويعف عن المغنم ويتضح ذلك في قوله : ينبيك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم . فقال له أبوه : كر يا عنترة ، فقال عنترة : العبد لا يحسن الكر أنما يحسن الحلاب والصر ، فقال كر وأنت حر ، فكر عنترة بعد أن شعر بالحرية ( التمكين ) وعنترة مثال للفارس الشهم النبيل حتى استحق الثناء من النبي الأكرم عندما ذكر أمامه قول عنترة :ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل فقال  في حقه الرسول (ص) : ” ما وصف لي أعرابي قط فأحببت إن أراه إلا عنترة “
 
تاريخياً أيضاً أعتق الإمام زين العابدين عدة آلاف من الموالي لكنه كان قبل عتقهم يعلمهم أحكام الدين ويغذيهم بالمعومات فيتخرج الواحد منهم محصنا بالعلم والمعرفة و (يمكنهم  ) مادياً أيضا  فلا يكونوا عالة على المجتمع بل أصبح أغلبهم من التجار بفضل سياسة التمكين   Empowerment .
 
     فكرة المقال الأساسية الدعوة إلى ترتيب الأولويات والى صناعة وعي بجوهر عملية الإصلاح حتى لا نقع فريسة التسطيح فنحن اليوم نمر بعصر استثنائي لم يمر على تاريخ البشرية مثله إنه عصر اقترب فيه الجميع من بعضهم البعض .مما جعل من الضروري إعادة النظر في إشراك المجتمع بكل فئاته وطوائفه  انطلاقا من مبدأ القناعة  بحرية الفرد وحقوق الإنسان وهذه ليست حلول مبتكرة وجديدة بل نحن أمام تجارب بشرية .
      إن تقييد الحريات ظاهرة تكررت على مر العصور وهي النقيض الموضوعي للتبشير بمجتمع متسامح وهو مدار الاختيار.  قديما كانت  الحرية تتمركز في يد السيد في قبال العبد لكننا اليوم أمام مؤسسات متنوعة وأهمها سلطة مؤسسة الدولة في قبال حرية المواطن يقول الأديب والناقد  معجب الزهراني  ( ولعل نفور الوعي الجمعي العام من كل دولة يعود في جزء أساسي منه إلى ما استقر في الذهنية العربية الشعبية والخاصة من صور سلبية عن هذه الدولة التي قد توفر لرعاياها بعض الحماية وبعض الخدمات لكنها تستلب أغلى ما يملك الإنسان، ونعني حريته وكرامته)ويحضرني تعليق رائع في محاضرة للمرحوم الشيخ الوائلي معلقا على لحظة سجود السحرة لله وهم أمام الطاغية (فرعون) بان هناك درس تاريخي هو أن  الضمير حي في النفوس فلا يزال الموقف تراث والأمم تقاس بمواقفها والعرب لها قول مشهور(ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرم حرا تملكه) . 
      
نعم لا يمكن دفن الناس تحت الأرض واختزال الجميع فيكمن الجواب في انسحاب المواطن وتشرنقه في زاوية من منزله حفاظاً على حياته وكرامته يعيش كبقية الدواب يأكل وينام . إن  احد أهم معاني القوة هو القدرة على التحرر من القيود فعندما يكون الإنسان حرا فإنه يؤمن بحرية الآخرين وهذا الكلام ينطبق على الحاكم والمدير في مؤسسة العمل والزوج في المنزل والمعلم في المدرسة وفاقد الشيء لا يعطيه بمعنى إذا كان الإنسان  حرا حقيقيا  فان إيمانه بذلك يدعوه لان يقبل الاختلاف معهم بل وان يدافع عن حرياتهم يقول جيفارا (  أنا لا أوافق علىما تقول, ولكني سأقف حتى الموت مدافعا عن حقك في أن تقول ماتريد)  لا أن نعادي الآخرين لمجرد الاختلاف  معهم في المذهب أو الدين أو المنطقة والبلد أو القبيلة والأشد إن ننبذ الأخر لإيمانه بمنهجية مختلفة في العيش. المشهد في البلدان العربية اليوم  يدعونا إلى أن  (نجعل من المحنة منحة ) بمعنى إن نقدم للإعلام العالمي صورة للتكاتف واللحمة الأخوية والدينية والأيمان بحرية الآخرين وحقهم في الاختيار عوضاً عن التهجم على بعضنا البعض. ماذا فعلت أمريكا في إعصار تسونا مي وهي محنة ؟ أمريكا التي تجيد تلفزة التاريخ وإعادة تصويره وتوظيفه كماكينة إعلامية ضخمة أعلنت على لسان كونداليزا رايس ” تسونا مي كان فرصة رائعة لإظهار وجه أمريكا الإنساني ” . أمريكا تتنقل في إرجاء المعمورة لتنقل صورة جميلة لوجهها القبيح!! والسؤال  كيف نستطيع هنا مخاطبة الجهة الأخرى من الكوكب ؟ بحيث نعكس وجه الإسلام الإنساني .
 في تقديري لكي نكون أوفياء مع الأخوة و (الأبناء ) في الوطن الواحد هناك درس هام : الشباب ثروة لكن عندما يتم تجاهلهم وتقييد حرياتهم المشروعة فإنهم يتحولون إلى ثورة !! لذا يجب النظر إلى تمكين الناس عامة باعتباره أداة هامة وملحة لتقوية جهاز المناعة الداخلي في المجتمع ؟؟
 
 
 
ظهرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٦) صفحة (١٦) بتاريخ ٣٠-١٢-٢٠١١

من كتاب رصيد الحكمة

"الحكمة ضالة المؤمن"

للتواصل: qatarim@hotmail.com