ماهى مؤشرات تطور المجتمعات
ما هي مؤشرات تطور المجتمعات ؟
(سؤال مراوغ يرسخ ثقافة استثنائية)
د. منصور القطري
هل تستطيع الأمة أن تتحدى الأمم الأخرى وتؤسس لها كياناً موازياً أو متقدماً على الأمم الأخرى؟ وما علاقة ذلك بمؤشرات التطور؟
لاشك أن هذا السؤال يحتاج منا إلى فرضيات يجدر بنا ا لتوقف عندها قليلاً لنرى ما هو مقياس التحدي الحضاري للمجتمعات! وبعيداً عن اللغة الأكاديمية الجافة نطرح فرضيات متواضعة نقيس بواسطتها مستوى تحضر المجتمعات على النحو الآتي :
– إذا أردت أن تعرف مستوى تحضر أي مجتمع فانظر إلى طريقة قيادته للسيارة؟
– إذا أردت أن ترصد تحضر أي مجتمع فانظر إلى مستوى الحريات التي يتمتع بها؟؟
– إذا أردت أن تعرف مستوى تحضر أي مجتمع فانظر إلى مكانة المرأة فيه؟؟؟
للقارئ أن يختار ما يشاء من الفرضيات السابقة فهي تحرض الذهن على الوعي ، ولكننا سوف نخفف لغة المصادمة مع واقعنا الاجتماعي من خلال استعراض فرضية أخرى تقودنا إلى مناقشة مسألة “الاهتمام بالطفولة” كمؤشر حيوي وخصب لمستوى التحضر ولا يقدح في إضافته إلى الفرضيات السابقة.
والتساؤلات أو النبوءات بشكل عام لا تعني الرجم بالغيب بل لها في الأغلب أدوار توعوية وأحياناً أخرى يكون لها وظيفة علمية نابعة من القدرة على التحليل والاستقراء والاستنتاج . والحقيقة أن فرضية الاهتمام بالطفولة في الوطن العربي على أحسن الظن قد أوكل أمر تحقيقها إلى “جهات” مشتتة لاترقى إلى الطموح! والخريطة الذهنية المرسومة هنا هـو عرض مؤشرات متنوعـة قمنـا بملاحقتها ورصدهـا تحت هذه المشاهد :
المشهد الأول
الكثير من المواطنين العرب بما فيهم من يدعون الثقافة لا يعرفون ماذا يعني (السابع من ديسمبر) ولماذا لايتم الاحتفال بذلك اليومجماهيريا و شعبيا . “لنا وقفة مهمة مع هذا المشهد”؟! وسوف يتقاطع التربوي مع السياسي عندما نعلق على المشهد العاشر .
المشهد الثاني
قررت حكومة ماليزيا إغلاق نوادي ألعاب الفيديو بسبب ما تصفه بأنه إدمان الأطفال عليها ، وقال نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية إنه تقرر منح مهلة مدتها شهران لتغيير نشاطها أو إغلاق أبوابها . وقال أن الأطفال أدمنوا على ألعاب الفيديو لدرجة أنهم أصبحوا لا يستطيعون النوم إلا إذا مارسوا تلك العادة ، وأضاف أن ألعاب الفيديو تحولت إلى نوع من المقامرة عوضاً عن أن تكون ألعاب بريئة!
المشهد الثالث
عقد مؤتمر عالمي “للهايات الأطفال” أي المصاصة وقد حضر هذا المؤتمر (26) دولة اجتمع خلالها الخبراء والأطباء في (جنيف) – أرقى الدول الأوروبية على الإطلاق – وقدمت خلاله دراسات وأوراق وبحوث علمية واختبارات معملية أجريت على مدى سنوات طويلة!
المشهد الرابع
أكد باحثون في كلية الإعلام في جامعة القاهرة أن الأطفال يشتركون في تنفيذ نحو 40% من الإعلانات التي يبثها التلفزيون المصري وهؤلاء تتراوح أعمارهم بين أقل من سنة و 13 سنة!
المشهد الخامس
وافق البرلمان الهندي بالإجماع على مشروع قانون يحضر نشر إعلانات الدعاية لحليب الرضاعة الصناعي وزجاجات الرضاعة . ويتضمن القانون فرض عقوبة السجن لمدة ثلاث سنوات . وذكرت وكالة الأنباء الهندية (برس ترست) أن أعضاء البرلمان الهندي أشادوا بمشروع القانون ووصفوه بأنه ينطوي على فائدة كبيرة للأمهات والأطفال على حد سواء!
المشهد السادس
في الندوة الخليجية الرابعة التي عقدت في دبي حذر أطباء الأسنان المشاركين من أن الرضاعة الصناعية والاعتماد على المربيات في تربية الأطفال يساهمان في ازدياد نسبة أمراض الفم والأسنان بين الأطفال دون الإثنتي عشرة سنة!
المشهد السابع
من بين كل دول أوروبا هناك خمس دول فقط أخذت بنظام تحريم ضرب الأطفال واعتبار الأب والأم مخالفين للقانون إذا ضربوا أطفالهم . هذه الدول الخمس هي : السويد والنمسا والد نمارك وفنلندا والنرويج . ورغم الأخذ بهذا القانون فلم يحدث في هذه الدول سوى حالة واحدة فقط على مدى عشر سنوات تقدم فيها أحد الأبناء إلى المحاكم لمقاضاة والديه بتهمة الضرب!
المشهد الثامن
أوضحت دراسة أعدت من قبل ادارة الطفولة في الجامعة العربية بأن حجم استهلاك الدول العربية من لعب الأطفال يتجاوز (6%) من الاستهلاك العالمي . وأن بلداً مثل مصر يضم أكثر من (70) مليون نسمة يستورد 95% من ألعاب أطفاله من الخارج!
المشهد التاسع
(الاهتمام بصحة الأطفال) ذكر تقرير صندوق رعاية الطفولة التابع لمنظمة الأمم المتحدة “يونيسيف” أن أمراض الرئة والإسهال والحصبة تؤدي إلى وفاة (60%) من أطفال العالم الثالث . وأضاف التقرير الذي نشر في باريس : أن عدد أطفال العالم الثالث الذي يلقون حتفهم نتيجة الأمراض المختلفة سنوياً يصل إلى (13) مليون طفل . والعالم العربي بلا شك في مقدمة دول العالم الثالث!
المشهد العاشر
أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية قانوناً إلزامياً جديداً يحتم فحص (آذان جميع الأطفال) حديثي الولادة لسلامة حاسة السمع بواسطة أداة تلتقط الأصوات النابعة من آذانهم . وقد أكد الأطباء أهمية الكشف على الأطفال الذين سيعانون من قصور سمعي وتداركه بطرق شتى من أجل تلافي تأخرهم التحصيلي في المراحل الأولى من التعليم!
التعليق :
هذا الاهتمام الأمريكي بآذان أطفالهم لا يتساوى مع اهتمام الإعلام الأمريكي بما يشاهده مواطنيهم في قنواتهم وإذاعاتهم الإعلامية المرئية والمكتوبة ؟!
فقد كان السابع من ديسمبر (المشهد الأول) هو (يوم الطفل العربي) ولم يتم الاحتفال به احتجاجاً وتضامناً مع استشهاد ا لطفل (محمد الدرة) فهذه المشاهد غائبة عن بوصلة الإعلام الغربي ورغم التعتيم الإعلامي حول مايجري في فلسطين إلا أننا بصدد تسجيل وقفة تتصل – بقيمة الوعي الوطني والإنساني والإحساس بالمسئولية تجاه الطفولة أو الشأن العام . ولنبدأ من أمريكا نفسها فقد بادر أحد رجال الأعمال الأمريكان (مايك ماهوني) وهو غير مسلم بعد أن هز وجدانه منظر الطفل (محمد الدرة) والطريقة البشعة والهمجية التي اقترفها تتار ومغول العصر بالتبرع بمنحه دراسية دائمة حملت اسم الطفل الشهيد (محمد الدرة) بجامعة (برن ستون) إحدى أعرق الجامعات الأمريكية ؟؟أقول : باقة من الدروس للتجار العرب!! .
هذا الموقف من “الطفولة” يحرك قيمة حضارية في حياتنا العملية نحن العرب ويحرك درس نتعلمه جميعاً وتتعلمه مؤسساتنا المالية ومؤسساتنا الأهلية والجامعية . وينطبق ذلك أيضاً على المبادرة الخيرة التي قام بها رجل الأعمال الإماراتي (صديق بن عبدا لله الحاجة) الذي تبرع بنصف مليون مقلاع وحمولة (50) شاحنة كبيرة من الحجارة دعماً منه لانتفاضة (أطفال الحجارة) .
والمواقف العملية لا تنحصر في الجانب المالي؟ فقد يكفي أن تتوقف أي أسرة عربية أو مسلمة عن الاحتفال بعيد ميلاد أبنها أو ابنتها تضامناً مع الطفل الشهيد (محمد الدرة) . ويكفي أن لا يتم الاحتفال بيوم الطفل العربي في السابع من ديسمبر! ويكفي الاستقالة من أي مسئول إذا كان في استقالته تعبير عن قيمة حقيقية يؤمن بها! فالصدق مع الذات (موقف) .
ولا يزال صدى ما قاله (غاندي) محرر الهند يتردد صداه في دائرة وعينا (إن الأخلاق الحقيقية هي تلك التصرفات التي تتم بين الإنسان وذاته) .
أخيراً أقول لقد كان مدعاة للاحترام ما قام به أساتذة جامعة الملك عبد العزيز الثلاثة الذين قاطعوا الحفل الموسيقي الذي دعت إليه القنصلية الأمريكية في جدة احتجاجاً على الدعم الغير محدود من قبل أمريكا إلى الدولة الصهيونية .
المواقف العملية في حياة الشعوب هي التي تقود إلى مستوى التحضر الذي نطمح إليه . والمواقف العملية حتى وإن كانت فردية هي التي سوف تشكل القاعدة الواعية التي تضغط باتجاه صناعة قرار على مستوى المؤسسات والبرلمانات ومجالس الشورى.
