تصميت النساء
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
تصميت النساء
د. منصور القطري
إذا تحدثنا عن التصميت فإن حقوق المرأة العربية في المشاركة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من المسكوت عنه تحت ضغوط فزاعات “الخصوصية” ولنا الحق في الاعتراض على مقولة( السكوت من ذهب) وإن كان الموروث لا يقاوم لأنه متجذر في اللاوعي الجماعي حتى قيل أن صمت الفتاة العربية دال على الموافقة بعكس صمت فتيات ايجيبو الهندية، فالصمت هناك يمثل عنواناً صارخاً للرفض في حالة تقدم عريس للزواج منهن؟! ومعلوم أن الساكت عن الحق شيطان أخرس؟!
لن نبحر عميقاً في فلسفة الصمت فلو كان الصمت من ذهب فما هو السر في كل هذا العدد الكبير من الفقراء في وطننا العربي (الأغلبية الصامتة)؟ نعم هناك فريق لم يتحدث عن حبس النساء في البيوت ولكنه حلق في رحاب الماضي(العفة التاريخية) فتحدث عن دور المرأة تاريخياً وأن المرأة كان لها دوراً في ساحات الجهاد ومجالس العلم وتمارس دورها في المساجد والأسواق وفي مجالس التشاور فيما يهم أمور المسلمين؟ إن صورة طالبان السياسية في مسألة التعامل مع المرأة لا تختلف كثيراً عن صورة طالبان الاجتماعية في وطننا العربي، لذا ليس من المناسب السكوت عن إشراك المرأة في التنمية وفي الوقت نفسه لا يجب أن نحلق في أجواء التاريخ والماضي دون ملامسة أو على أقل تقدير محاولة تشخيص الواقع. وسوف نتعرض لجانبين في قضية مشاركة المرأة: الجانب الأول يتصل بتهميش دورها وما يترتب على ذلك التهميش من سلوكيات استهلاكية؟ والجانب الثاني يتعلق بمحاولة المرأة الدخول في مشروع المشاركة والبناء وطبيعة التشوهات التي فرضت عليها عندما اقتحمت ميدان العمل؟
ملامسة الواقع:
يقول احد الحكماء( إذا اتفق اثنان في كل شيء فمعنى ذلك أن أحدهما هو الذى يقوم بكل التفكير)؟؟ إنها ليست تحريضا على الاختلاف لكننا لا نميل إلى تقديم تصورات معلبة للقارئ بل إن فعل الشراكة في التفكير هو في تقديرنا عملية ناضجة لإثارة الوعي والحفر بعمق في تفكيك القضايا، فالجميع يلاحظ انه يعمل في دول الخليج بحر من الجنسيات وبثقافات تنتمي لأكثر من (120)دولة وهي عولمة واختلاط لا تجده حتى في الغرب؟ .لقد قرأنا في شوارع لندن بعض الشعارات المحافظة والتي تتوجس من الآخر الوافد عبر شعارات كان من بينها New labor , New danger ، في بريطانيا العمالة الأجنبية تمثل خطر جديد ؟
الخليج تزدحم في أسواقه البضائع الأجنبية والعمالة الوافدة من كل أرجاء الدنيا ومجتمع الخليج تتفاعل فيه ( يستقبل ويرسل ) عبر الحوار الثقافي الجديد ( الإنترنت ) و ( الفضائيات ) ما لا يعد ولا يحصى فالخليج أكبر مستخدم للإنترنت والبريد الإلكتروني وأهله يسافرون أكثر من غيرهم إلى أرجاء المعمورة ويختلطون بثقافات مختلفة ومتنوعة ؟ إذا لماذا تتعطل مشاركة نصف المجتمع (المرأة) في النهوض بالتنمية والاقتصاد ؟
إذا انتقلنا من العام إلى الخاص نقول : أن هناك قواسم مشتركة بين مجتمعنا العربي وبين مجتمعنا الخليجي و بالتحديد مجتمعنا السعودي لكن هناك فوارق أيضاً ضمن المجتمع العربي على سبيل المثال يشير تقرير لتنمية الصادر عن وكالة الأمم المتحدة إلى أن هناك أقل من 2% من المواطنين العرب يملكون جهاز حاسوب (كمبيوتر)؟ هذا الرقم بالتأكيد لا ينطبق على مجتمعنا في السعودية وكذلك الحال فيما يخص مستوى تعليم المرآة ومشاركتها في الحياة العامة … الخ.
التهميش وسلوكيات الاستهلاك؟
هناك ملايين الفرص في المملكة مشغولة حاليا برجال أجانب وبالإمكان منحها لسيدات سعوديات خصوصا و أن التقارير الرسمية تفيد أن برامج السعودة (الذكورية) لم تحقق الأهداف المنشودة ؟ في الوقت الذي بلغ فيه الدَّين العام للمملكة العربية السعودية 649 مليار ريال سعودي وأن البطالة للشباب تتراوح مابين20%-30% بينما يحتل مواقع العمل جيش من العمالة الأجنبية يصل إلى (7) ملاين عامل أجنبي، ومن المفارقات العجيبة لهذه الإشكالية المضطربة أن بعض المدخرات النسائية في البنوك والتي تقدرها جهات رسمية بـ (15) مليار ريال غير موظفة في قنوات استثمارية؟(رسالة المعهد، العدد 26يونيو 2003م).
إن إشراك المرآة في عملية بناء الوطن لايعني في تقديرنا ( التوظيف ) فقط بل يتعداه إلى دراسة بناء العائلة السعودية ومحاولة التخلص من سلوكيات معيشية باذخة فرضت نفسها مع طفرة النفط ولا تزال قائمة، فالعديد من الدراسات تشير إلى انخفاض متوسط دخول الفرد السعودي حيث تجاوز في بداية الثمانينات إلى ما يزيد على(20) ألف دولار ولكنها انخفضت الآن إلى 7900دولار سنويا! الطفرة النفطية على امتداد الخمسة والعشرين سنة الماضية لم تفرز جيل يستطيع التحكم بسلوكياته المعيشية بحيث تورطت غالبية العائلات السعودية في العيش بأسلوب لا يتناسب مع دخلها الشهري حيث لجأت شريحة عريضة من الناس إلى البطاقات الائتمانية والقروض المصرفية ؟
المقولة الشعبية (القرش الأبيض لليوم الأسود ) لا تحظى بقبول كبير في معادلة جديدة للتعايش مع شح الموارد المالية وتدني مستويات الرواتب بل أن هناك مجاملات اجتماعية موروثة ومفاهيم قبلية وعشائرية للضيافة والولائم المرهقة مندمجة في خلطة سرية عجيبة مع عادات جديدة مكتسبة كهدايا أعياد الميلاد وذكرى الزواج وعادة السفر السنوية …الخ .
محاولة المشاركة وتشوهات الدور:
تلك التحولات الاقتصادية السريعة التي لا تتناسب مع التغير الاجتماعي البطيء في حركة و مكانة المرآة إضافة إلى تقلص الهامش المتاح للسيدات السعوديات في ممارسة نشاطات اجتماعية أو رياضية أو ترفيهية على غرار تلك المتوفرة لدى مثيلاتهن من النساء في الدول العربية وحتى في دول الخليج الأخرى لذا لجأت شريحة من النساء السعوديات إلى عادة التسوق في المدن وكأنها عيادات نفسية مجانية تظهر حالات كبت ناتجة عن مشكلات في محيطهن الدراسي أو العائلي أو بسبب البطالة ؟
هذا السلوك الاستهلاكي يتم بمعزل عن هموم رب الأسرة المشغول بدوامة توفير لقمة العيش ومصاريف العلاج وتكاليف التعليم والسكن . هذه الشريحة من الطاقات الشابة النسائية قد تتحول إلى رموز اتكالية تتقاسم دخل الأب في حين كانت النساء السعوديات قديما في حالة عطاء باعتبارها تمارس التجارة داخل الأسواق أو على أطرافها حتى صدرت قوانين تنظيمية أجبرتهن على الابتعاد عن ساحة العطاء فتحولت الأسواق عند بعض العناصر النسائية من مواقع للشراكة في (صناعة الرغيف) إلى مواقع (الاستجمام والرفاهية) في مراكز الخمس نجوم المزدحمة بالمقاهي والمطاعم والباعة (رجال بالتأكيد) وافدون من كل أنحاء العالم، بحيث تتهيأ بيئة مؤقتة لاختلاط الجنسين لا تتوفر خارج هذه المراكز ؟
لكن هذا الدور الهامشي للمرأة قد لا يستمر وفق معطيات الظروف الحالية بل إننا نستشرف في كيان المرأة السعودية ( مارد) من وراء قضبان يرغب أن يعبر عن ذاته و وجوده . رغم أن المجتمع السعودي له تحويرات جذريه في تركيبته الاجتماعية تنفرج بمقدار في حال نشؤ ظروف معينة؟ على سبيل المثال عندما زادت الضغوط المالية على رب الأسرة أدت تلك الضغوط إلى رفع (الفيتو الاجتماعي) على عمل الفتيات في مهن كانت مرفوضة في زمن الطفرة (كالتمريض) . كما بات مألوفا الآن خروج الزوج مع زوجته إلى العمل صباحا لتشارك في تغطية المصاريف اليومية كما ظهر تحالف جديد بين الزوجين في ادخار جزء من رواتبهما الشهرية لشراء أرض أو منزل بالتملك نقدا أو بالتقسيط .
كذلك مكانة المرأة السعودية تبدلت بعد استقلالها الاقتصادي ودخولها مهنة التعليم فقد أرتفع أسهم المعلمات والموظفات في بورصة المجتمع المنهك اقتصاديا . كما أن قلق رب الأسرة المنتمي إلى طبقة محدودة الدخل والذي يزحف على وجهه كل صباح ويحبس أنفاسه لكي لا يتعرض إلى انتكاسة صحية هو وأسرته أوان يطاله حادث سيارة مفاجيء؟ كل ذلك دفعه إلى قبول مبدأ (التأمين ) ضد الحوادث العارضة بعد أن كان الفكر التأميني معتقلا ويخضع لحراسة شديدة عند معضم السعوديين؟ وقد تبشر الأيام القادمة بانفراج في أعمال معينة للمرآة كالفندقة والسفر والسياحة وأعمال السكرتارية والمكاتب الهندسية وتصميم الديكور … الخ
إلى من تتجه أصابع اللوم ؟
عندما تتحول غالبية أفراد الأسرة إلى عناصر إتكالية تتقاسم دخل رب الأسرة وإذا كانت ثقافة المجتمع متورطة بتخريج المرأة (كائنا مستهلكا ) وهو تعطيل لطاقة نصف الأمة إلى جانب هيمنة تقاليد عشائرية ترهق ميزانية الأسرة وتسلب (%15) في المائة من دخلها السنوي لتغطية المجاملات الاجتماعية الإلزامية فإن ذلك بحاجة إلى مشروع ثقافي متكامل تقوده مؤسسات مدنية ورسمية أيضا .
المشروعات الثقافية قد تنطلق من رحم المجتمع أو من خلال المؤسسات الرسمية فقد لا يعلم البعض أن في فرنسا وزارة أسمها ( وزارة أوقات الفراغ ) كانت قد أنشأت لها في مختلف المدن مكاتب تشجع أنواع متعددة من الأنشطة الهادفة لإعادة بناء شخصية المواطن والمواطنة ؟ وأنه قد صدر عام 1970ميثاق الفراغ الدولي في جنيف بعد مؤتمر اجتمعت فيه (16) دولة وتأسس “الإتحاد الدولي لأوقات الفراغ ” ومقره في نيويورك.
إن رفع مستوى ثقافة ومعيشة المواطن مسؤولية الجميع، ماذا لو أن ( وزارة الصحة ) قامت بواجبها وقدمت خدماتها بشكل متكامل ووفرت لكل أب ما يعادل (%20) في المئة من دخله الشهري الذي يذهب للمستشفيات والمستوصفات الخاصة؟ وكذلك ( إدارة المرور ) من خلال زيادة الرقابة وضبط حوادث السيارات، وينطبق ذلك على بقية المؤسسات والوزارات؟
ماذا ستفعل الجهات الرسمية بعد تعثر برامج السعودة (الذكورية) ؟ وبعد ظهور ملامح جديدة لأنماط اجتماعية مزدوجة؟ فهناك ظاهرة (الزوجة الأب) حيث تتكفل الزوجة الموظفة بتكاليف مصروف العائلة وتتورط الموظفة أو المعلمة بأقساط شهرية لسداد قيمة قروض سيارة ودفع رسوم أكثر من جمعية فتكون الزوجة بمثابة (محفظة مالية) يحقق الزوج من خلالها أحلام الفلا الواسعة والسيارة الفاخرة ! وماذا عن ذلك الأب الذي يعمل في الصباح (أستاذ) وفي المساء سمسار لبيع السيارات في الساحات العامة فماذا يصنع (المدرس الشريطي) وماذا يفعل ذلك العسكري الذي يضطر للعمل كسائق أجرة لتدبير قوت عياله ومستلزمات حياته انه (الشرطي السائق) ويمكننا صك مصطلحات إبداعية متعددة لادوار مرتبكة ؟
إذاً هناك أدوار اجتماعية جديدة (الزوجة الأب) (المدرس الشريطي) (الشرطي السائق)، وقد تنبئ الأيام القادمة بأدوار جديدة، نأمل أن لا تصل إلى بعض التخصصات الهامة، والقارئ ذكي ويستطيع أن يحرك السؤال لكي يستشرف المستقبل؟
هذا الوضع في تداخل الأدوار الاجتماعية يذكرنا بأحد الطفيليين الذي نظر إلى قوم ذاهبين، فلم يشك أنهم في دعوة إلى وليمة فتبعهم فإذا هم شعراء قصدوا السلطان بمدائح لهم فلما أنشد كل واحد شعره ولم يبق إلا الطفيلي وهو جالس ساكت فقال له السلطان: أنشد شعرك قال: لست بشاعر قال السلطان فمن أنت؟ أجاب: من الغاوين الذين قال الله فيهم (والشعراء يتبعهم الغاوون) فضحك السلطان وأمر له بجائزة الشعر؟
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
