حضور (الرؤية) فى تجربة جمال الدين الأفغانى
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
حضور (الرؤية) في تجربة جمال الدين الأفغاني
مقاربة غير مباشرة للمشهد السياسي الراهن
د . منصور القطري
إذا كان أحد مكونات الشخصية القيادية هي ممارسة التأثير على الآخرين فإن شخصية جمال الدين الأفغاني تعتبر مثال صارخ لتلك السمة ، بل ومن الجدير بنا التأمل والتوقف عندها كي نستلهم من تلك التجربة درساً رائعاً في مسألة (الجاذبية الشخصية) (Personal Magnetism) ومسألة (الرؤية) (Vision). فقد عكست شخصية الأفغاني قدرات متعددة كان من بينها امتلاكه لطاقة حركية تفوق ما يتمتع به الفرد العادي فقد شملت دائرة حركته الإصلاحية أرجاء المعمورة فساح في بلاد الأفغان وتركيا والعراق ومكة المكرمة والهند ومصر ودول الغرب لندن وباريس وميونخ في ألمانيا وبطرسبرج بروسيا . فالقيادة عمل شاق يتطلب حركة دءوبة وجهداً متواصلاً .
وبعيداً عن الاختلاف الذي نشب بين الفئات والمذاهب والتيارات الفكرية حول شخصية الأفغاني وعلى الأخص حول تحديد هويته وطريقة حركته وانتماءاته إلا أننا نعتقد أن ذلك يمثل ظاهرة طبيعية لأن الحديث يدور حول شخصية عملاقة وبارزة بحجم الأفغاني . وأياً كانت درجة ثبات وصدق تلك الروايات فإن الأفغاني كان (أمة في رجل) وسيبقى كذلك لأنه لم يعش التخلف في فهم الإسلام ، بل كان شمولياً في فهمه ودرايته . لذا جاءت حركة الأفغاني مشبعة بروح الإسلام وعالميته ، فكان أكبر من أن يحتويه تيار أو مذهب .
كان للمناخ الديني الذي نشأ فيه الأفغاني منذ طفولته الأثر البالغ في تكوين شخصيته القيادية وتأسيس فكره الإسلامي العميق حيث درس على يد أساتذته الأفاضل في كابول وهو ابن الثامنة ، ثم انتقل إلى (النجف الاشرف) في العراق فتعلم الآداب العربية وعلوم الشريعة والحكمة والمنطق . وكان عمره في حدود الثانية عشرة ، وقد تعاهد على صياغة شخصيته الإسلامية مجموعة من كبار العلماء كان من بينهم المجتهد الأكبر الشيخ مرتضى الأنصاري .
كانت الهند أول محطة في مشروع الأفغاني الطويل ، وقد اعتمد على قدرته الخطابية في التواصل مع الجمهور ، فكان صوته وفكره يدوي في كل مكان على الرغم من بدائية وسائل الإعلام حينذاك . وقد استطاع أن يحرك الساحة الهندية التي كانت تتأوه من قسوة الاحتلال البريطاني . وقد علق الأفغاني متهكماً على كثرة عدد سكان الهند وخضوعهم للمستعمر الأجنبي قائلاً : لو تحولتم إلى سلاحف لأغرقتم الجزيرة البريطانية!؟ وهي كناية عن غياب “الإرادة” ، إرادة الشعوب التي لا تقهر . وقد كانت خطبه مؤثرة ويتداولها الناس على المستوى الشعبي وكانت الجماهير تبكي لسماعها نغمات صوته المجلجلة وقد استقرت في أسماعهم كلماته الخالدة (لا حياة لقوم لا يستقبلون الموت في سبيل الاستقلال بثغر باسم) .
أبحر الأفغاني بعد رحلته إلى الهند قاصداً إلى مكة المكرمة ؛ لأداء فريضة الحج عام (1274هـ-1857م) ثم قصد أفغانستان ، وكان الصراع دائر بين أمراء الأفغان حيث انتصر الجناح المعادي لأسرته مما اضطره العودة إلى الهند فوصلها عام (1285هـ-1868م) لكن نشاطاته السابقة وبثه الوعي في عقول الشباب وخطاباته الوطنية المشحونة بالكراهية للاستعمار جعلت من ملفه الأمني سبباً يدفع سلطات الاحتلال البريطاني إلى طرده من البلاد بعد أقل من شهر على وصوله .
وكانت للأفغاني جاذبية في صنع العلاقات مع الحكام ومع القاعدة الشعبية في آن واحد ونستشف ذلك من خلال تجربته ووجوده عندما قرر البقاء في مصر . فقد كانت مصر أرض خصبة ، وبحكم صفاته ومهاراته النادرة كالخطابة والبلاغة والتعبير عن الأفكار ، استطاع الأفغاني خلال ثمان سنوات عاشها في مصر من أن يستثمرها لصالح القضايا الاسلامية الكبرى حيث (صنع رؤية) وبعد صناعة الرؤية كان لا بد من جهاز تنفيذي يحقق تلك الرؤية . لذا قام الأفغاني بتكوين تنظيم اسلامي سياسي قادر على متابعة الهدف أي أداة لتحقيق رؤيته الحركية . ونقصد بالرؤية أن تكون للفرد القدرة على تصور أو تخيل هدف أو مجموعة من الأهداف وقد تحققت بعد فترة زمنية محددة . وتكون هذه الرؤية دافعاً قوياً نحو تحويلها إلى واقع محسوس : ومعلوم أن القادة الناجحين يتصفون عادة بقدرتهم الخارقة على تكوين هذه الرؤى والعمل على ترجمتها إلى واقع ملموس .
وهنا قد يسجل بعض الكتاب ملاحظات على تجربة الأفغاني ويصفوه بانعدام الرؤية المتكاملة في العمل . نقول ردا على هذه الملاحظات أن الأفغاني أسس رؤيته على محورين :
الأول : تحقيق الوحدة الإسلامية .
الثاني : مقاومة الاستبداد على مستوى الداخل والخارج .
فعلى صعيد المحور الأول نلاحظ أن مشروع الوحدة الإسلامية كان يشكل هاجساً بالنسبة للأفغاني ، وكان يعتقد أن آلية تحقيق الوحدة بين الشيعة والسنة سوف يتم عبر توحيد الدولتين القاجارية والعثمانية باعتبار أن الدولة القاجارية تمثل الطرف الشيعي والدولة العثمانية تمثل الطرف السني . وسواء كنا نتفق مع هذه الآلية أو نختلف إلا أن (الرؤية) في مشروع الأفغاني كانت قائمة وحركة الأفغاني كانت وفقاً لتلك الرؤية .
نعم قد نستنتج أن الأفغاني كان يؤمن بالتغيير من رأس الهرم وليس من القاعدة؟ والدليل على ذلك محاولاته التقرب من السلاطين؟ على سبيل المثال : تقربه من ناصر الدين شاه في إيران والسلطان عبدالحميد في تركيا والخديوي اسماعيل في مصر ، لكن لا يمكن الاطمئنان بشكل مطلق لذلك الاستنتاج؟ والسبب أن حركة الأفغاني لها بعد شعبي فقد كان يرى في الخطابة الأسلوب الأمثل لنقل أفكاره إلى القاعدة وعلى الأخص فيما يتعلق بالمحور الثاني والمتمثل في مقاومة دكتاتورية الحاكم في الداخل ومناهضة الاستعمار على مستوى الخارج .
وعوداً على حركته في مصر وبناءً على نظرية التوقعات المشتركة في القيادة والتي تقول أن ما يتوقعه القائد من الاتباع هو بالضبط ما يقدمونه له . نقول أن الأفغاني استطاع في مصر أن يحقق تلك النظرية ، فخصوبة عطائه تجلت في انشاء قاعدة من الاتباع والمؤيدين بحيث تهيأت له أرضية تسمح له بالتدخل والتأثير في شئون مصر بشكل مباشر أو غير مباشر . وكان في مقدمتهم العلامة الشيخ محمد عبده وسعد زغلول ومحمود سامي البارودي وغيرهم الذين شكلوا أرضية صلبة تبشر وتدعم رؤيته التغييرية (فالقيادة هي ممارسة التأثير على الأفراد بحيث يتعاونون في سبيل تحقيق هدف مشترك) . وكعادة الشرفاء والمناضلين في العالـم أن يطردوا من الأراضي التي يعشقونها ، قام الخديوي توفيق بطرد الأفغاني من مصر ضارباً ومتناسياً التعهدات التي قطعها للأفغاني وحزبه الوطني .
بعد ذلك وصل الأفغاني الهند واتخذ من عاصمتها (بومباي) مقراً لأقامته واستقر بها ثلاث سنوات (1296م-1300هـ) ومن ثم ذهب إلى باريس بعد تضييق الخناق على حركته من قبل المحتل البريطاني . ولم يهدأ للأفغاني قرار حتى بدأ بتحريك (رؤيته) التي بدأها في مصر وهي تنشيط جمعية “العروة الوثقى”؟ فكانت (الرؤية) واضحة في ذهن الأفغاني القائد وعناصر القيادة الثلاثة (القائد – الأتباع – وجود الرؤية) حاضرة في حركته وكأن أدبيات القيادة المعاصرة قد ترسمت في كل معطيات تجربة الأفغاني .
تقول هذه الأدبيات أنه إذا انطوت العناصر الثلاثة داخل شكل من أشكال التنظيم فإنها تكون مؤسسة . أما إذا فشلت في ذلك فهي تبقى مجرد (شلة) أو مجموعة!! وغياب الرؤية المتكاملة أي الهدف الواضح هو سبب تعثر كثير من الحركات الاجتماعية عند الشخصيات القيادية في شتى أنحاء العالم . لذا كتب الأفغاني إلى رفيق دربه الشيخ محمد عبده الذي كان منفياً عندئذ في بيروت وطلب منه الالتحاق به إلى باريس ليشاركه في إصدار جريدة “العروة الوثقى” لكي تمثل لسان حال الجمعية .
وأثناء وجود الأفغاني في الغرب لم يكتف بفتح عيون الأمة على واقعها من خلال مجلته “العروة الوثقى” بل كانت له نشاطاته الفكرية ، وإن لم تكن بالقدر المطلوب كما هو الحال في تصديه للتيار ألانحرافي الذي نشأ في الهند على أيدي أحمد خان ، فألف كتاباً رد فيه على الأفكار المادية التي أدخلها أحمد خان على الفكر الإسلامي . كما كانت للأفغاني مساجلات فكرية مع نخبة من المفكرين الغربيين أبرزهم (تيوفيل جوتيه) كما التقى بالفيلسوف الإنجليزي (هربرت سبنسر) . وقد كانت أوروبا مكاناً مناسباً للعمل السياسي وموقعاً استراتيجياً للتأثير على القرار الأوروبي إلا أن الفارق بين الأفغاني وغيره ممن كانوا يزورون أوروبا أنه استقرأ شخصيات الحضارة الأوروبية حيث أكد بعد عودته على (أن قوة الغرب ليس بالدين المسيحي بل بالعلم وأنه العلم الذي أخذوه من المسلمين يجب أن يعيدوه إليهم) .
وعند مقارنة شخصية الأفغاني القيادية بغيره من القادة نستطيع القول بتفوق (السياسي على الفكري) في مسيرته الإصلاحية . على سبيل المثال نلاحظ أن الشيخ محمد عبده قد تفوق الفكري في مشروعه بخلاف أستاذه ولعل السبب في ذلك هو مشكلة كل الشخصيات التي تنمو في الظل وبمسافة بعيدة عن موقع التصدي والقيادة ، فعندما يغيب القائد تنكمش الحركة!
في أواخر عام (1310هـ-1892) استضاف عبد الحميد الثاني الشيخ الأفغاني مطروداً من إيران لتكون آخر محطة له في حياته حيث بقي فيها حتى مات وكان ذلك في عام (1315هـ-1897) .وبهذا يسدل الستار على تجربة جديرة بإعادة قراءتها من زوايا مختلفة بشرط أن تتم مطالعة التجربة ونتائجها قياساً بالفترة التي عاشها الأفغاني والتي شهدت بروز وتبلور ظاهرة الاستعمار وما تحمله هذه الظاهرة من أبعاد وخلفيات ونتائج لا تزال تتفاعل إلى يومنا هذا .
وقد يحق لنا التساؤل حول المشهد السياسي الحالي لمجتمعنا العربي والإسلامي وما هي (الرؤية) للخروج من أزمتنا الحالية؟ وهل هناك رموز قيادية تملأ الساحة؟ والجواب متروك للقارئ فالثقافات العريقة لا تظمأ أبداً!
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
