اللاعنف فى التغيير
اللاعنف في التغيير
(القوة الناعمة)
(ويح قريش أكلتها الحرب) الرسول الأعظم (ص)
د. منصور القطري
يستمد معظم المدافعين عن اللاعنف مبادئهم من خلفية قائمة على اتجاهين : اللاعنف الديني الأخلاقي و اللاعنف النفعي (البراغماتي) وفي هذه السطور سنحاول تأصيل أو التأكيد على أهمية اللاعنف في الفكر الإنساني بشكل عام وفي خط بنية الأديان السماوية بشكل خاص.
بداية نقول: إن هناك قاسم مشترك في مشروع اللاعنف يقوم على أن سلطة الحاكم تعتمد على موافقة الرعية (عقد اجتماعي بينه وبين الرعية) وإذا فقدت هذه الموافقة بأي شكل من الأشكال السلمية يصبح النظام الإداري للدولة بما يشتمله من مؤسسات كالجيش أو الشرطة عاجزاً عن أداء دوره بسبب عدم الانصياع. والمعادلة تقول أن السلطة تعتمد على تعاون الآخرين و اللاعنف يسعى إلى التقليل من سلطة الحاكم من خلال الانسحاب المتعمد من هذا التعاون والخضوع، هنا تشتد الحاجة إلى ضبط ولجم الدول باعتبارها أكبر الهيئات امتلاكاً لوسائل العنف (الجيوش الدائمة)والحذر والتوجس من هذه القوة العاتية قديم يقول الحسن البصري : إذا رأيتم شرطيا نائما عن صلاة فلا توقظوه إذا قام فإنه يؤذي الناس فنومه أحسن) وعليه فإن اللاعنف هو وسيلة عادلة تسعى إلى تحقيق نتائج عادلة وهذا ما أكدت عليه تكراراً ومراراً في لقاءاتنا مع الشباب والأمر يحتاج إلى تثقيف وإعداد وقيادة فالبعض يرى في اللاعنف ضعف !! والبعض الأخر يخلط بين الوسيلة والهدف!!، فهل المظاهرات والاعتصام والاحتجاجات السلمية وسيلة أم غاية؟
قال غاندي (الوسائل للنتائج كالبذرة للشجرة) وهي رسالة مجازية عميقة لأنصار اللاعنف في التغيير باعتبار أن الوسائل السلمية تؤدي في نهاية المطاف إلى خلق مجتمع مسالم والعكس صحيح، وهذا ما عززته الدراسات النفسية في تفسيرها لظاهرة حلقة العنف المفرغة فهي إن بدأت لا تنتهي وقد نبه الى ذلك عبد الغفار خان القادم من بيشاور وصديق غاندي حيث عملا معا حتى عام 1947وهو شخصية لم تأخذ نصيبها من الاهتمام إذ يقول : سأقدم لكم سلاحا فريدا لا تقدر الشرطة ولا الجيش على الوقوف ضده .إنه سلاح النبي لكن لا علم لكم به.هذا السلاح هو الصبر والاستقامة . ولا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع الوقوف ضده.
اللاعنف هو إذا الآلية البديلة التي تنتج مجتمعا مسالما هي (قوة الحقيقة) أو (قوة المحبة) وهو الوسيلة التي حارب بها غاندي هذا الرجل النحيل صاحب الروح العظيمة الذي انتصر على (الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس) ودحر الاحتلال البريطاني عن شبه القارة الهندية وكذا الحال بالنسبة لتلميذه مارتن لوثر كينغ الذي حرر السود في أمريكا من العبودية والتمييز العنصري بسبب اللون وهو من الشموع التي أنارت الطريق ليكون اوباما الأسود رئيسا لأمريكا اليوم، وتبعه نيلسون مانديلا المعاصر الذي استطاع أن يتغلب وهو قابع في سجنه 27 سنة على حكومة جنوب أفريقيا التي أذلت أهله وناسه لأكثر من قرن كامل عبر سياسة الفصل العنصري ضد السود.
إنني أدعو هنا إلى تبني (الإستراتيجية اللاعنفية) باعتبارها جزءا لا يتجزأ من بنية القيم و الفكر الديني الإسلامي وليس باعتبارها أداة أو أسلوبا براغماتيا نفعيا يركز ويهتم بفاعلية اللاعنف السياسية دون النظر إلى أي بعد ديني أو أخلاقي كما تفعل بعض الأحزاب السياسية، ويمكننا تتبع ورصد منهج اللاعنف في جميع الأديان الإبراهيمية الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية) وكذلك في تقاليد الأديان الكبرى الأخرى (الهندوسية والبوذية والسيخية).
وأكثر ما تبدو هذه الإستراتيجية إشراقا في قول الحق جل وعلا (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) فصلت 34وأدعو أن تكون هذه الآية معلقة في مجالسنا ومصانعنا ومزارعنا ومدارسنا ومقرات أعمالنا لكي تحفر بعمق في دواخلنا وتنعكس في مسلكياتنا ميدانيا كما أشجع أن تحضر أطروحات الدكتوراه حول (اللاعنف في المنهج الإسلامي) حتى نقدم للعالم تشريح ثقافي دسم ورؤية تاريخية مشبعة بالنص خصوصاً ونحن نرصد حالة الغياب الملفت للبحوث والدراسات المتعلقة باللاعنف في الساحة الثقافية مما أدى بشكل غير مباشر إلى انتشار الفكر المتعصب وعقلية تكفير الآخرين والتفجيرات الإرهابية في الأبرياء المسلمين وغير المسلمين ولعلنا بذلك نقرع الجرس أمام الغفلة الفكرية والأكاديمية لدور الجامعة والجامع في المجتمع.
إن عملية تتبع للاتجاهات اللاعنفية في الإسلام تبرز الجواب الرائع لأول صراع ذكر في القرآن هو جواب ابن سيدنا آدم حينما توعده أخوه بالقتل فقال له (لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) المائدة 28 وقد دعم الرسول الأعظم هذا الاتجاه بقوله (كن خير ابني آدم) يقصد قابيل وهابيل، كما أطلق سيد البشرية شعارات تغرس في النفوس الميل إلى المسالمة وعدم اللاعنف حيث قال (تكون فتن، فكن فيها عبدا لله المقتول، ولا تكن القاتل) وقد قدم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القدوة والمثل عندما حول هذه الأقوال إلى ممارسات ميدانية في كفاحه اللاعنفي الناجح ضد قريش طوال 13 عاماً من دعوته وكان يكرر (صلى الله عليه وآله وسلم) مقولته المشهورة (ويح قريش أكلتها الحرب) وتبعه تلميذه الإمام علي حين أطلق حزمة من الشعارات: من عامل بالعنف ندم. رأس السخف العنف. راكب العنف يتعذر مركبه . . الخ.
وتقرر أدبيات اللاعنف ما يزيد على (200) طريقة تكتيكية لا عنفية إلا أن هذا المنهج يختزن في تقديري جنبة أو مسحة أخلاقية يمكن متابعتها حتى يومنا هذا من خلال ممارسات مجموعات إنسانية متعددة تذهب إلى أن اللاعنف أعلى وأسمى نوع من أنواع العبادات بالمعنى الغاندي المتمثل في فلسفة (الامتناع عن الإيذاء) بل تذهب رؤية أنصار اللاعنف إلى (احترام الأعداء ومحبتهم) وهنا يتصاعد هذا المنهج ليكون أكثر قرباً إلى البعد الروحي في فهم اللاعنف ويتجسد ذلك في قول السيد المسيح (عليه السلام) في موعظة الجبل (أحبو أعداءكم وصلوا من اجل الذين يسيئون إليكم) وقول (حكيم الكوفة) الإمام علي (أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون عدوك يوماً ما، وابغض عدوك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما).
ويرتقي هذا المنهج إلى مستويات عليا من السمو ومن نكران الذات حتى يصل الأمر إلى التعاطف مع مطالب الآخرين و تبني قضايا المحرومين يقول جيفارا (إنني أشعر على وجهي بألم كل صفعة توجه إلى مظلوم في هذه الدنيا، فأينما وجد الظلم فذاك هو موطني) .هنا يقف الجميع وقفة إجلال ل (حلف الفضول) باعتباره أقدم وثيقة بشرية في مجال حقوق الإنسان بل وعن طريقها يمكن الكشف عن الريادة العربية في إنشاء أول جمعية للدفاع عن حقوق الإنسان عالميا وقد بارك تأسيس هذه الجمعية الرسول الأعظم حين قال ( لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت).
دروس رائعة من التاريخ ونحن على أعتاب القرن الحادي والعشرين الذي أتمنى أن يكون الأقل سفكاً للدماء من سابقه والأحفظ لكرامة الشعوب والأروع في نصرة المظلوم والأوسع للحريات، واختم هذه السطور بسؤال ينعش الحلم: هل يصعب على حضارتنا العربية الإسلامية أن تبتدع كائناً مثل غاندي أو داعية لا عنف وتسامح مثل مانديلا؟ سؤال لشحذ الهمم.
