Select Page

أطفال المناديل

أطفال المناديل

أطفال المناديل

عند إشارات المرور
(ردوا السائل بشيء قليل، أو بقول جميل)    الرسول الأعظم (ص)
 
د. منصور القطري
 
كل منا لديه رصيده من المشاعر تجاه ما يشاهد، ومع الحرارة الشديدة في وطننا العربي الكبير يمتزج العرق بالتراب بالتلوث بضيق التنفس لنقص الأكسجين، لكننا لسنا مصابين بـ (أنيميا المحبة) بل إننا نتميز بتأجج المشاعر ودفء العواطف رغم الزحام، وغياب التخطيط للقضاء على الفقر، والفوضى المرورية، وحقوق المشاة (ملح الأرض)؟
هكذا نعيش على أرض الله والوطن صابرين على سيناريو اعتقال المشاعر في الطرقات وعند إشارات المرور وسط العمارات الشاهقة (الغابات الأسمنتية) حيث تصاب جحافل السيارات بعدم القدرة على الحركة؟ فكم إجهاض سوف يتم للسيدات الحوامل، وكم موعد لرحلة طيران تضيع على المسافرين، وكم مريض يموت وهو في حاجة ماسة لجراحة عاجلة …الخ.
يبدو أن الإحساس بطفلة صغيرة تبيع مناديل الورق إلى جانب إشارة المروروهي حافية الأقدام يحتاج إلى نقاش علمي حول ظاهرة “الفقر”؟! ويحتاج إلى نخب ثقافية تلتقي في المراكز البحثية؟ قد نتعرض للنقد ونمنع من أن نكون مرهفي الإحساس إذا قمنا بدفع جزء من المال اليسير إلى ذلك الطفل أو تلك الطفلة و سوفنتهم في النهاية بتشجيع ظاهرة “التسول”؟
 تلك المساهمات اليسيرة لعلها تمثل نوعاً من الاحتجاج المبطن على بيروقراطية المؤسسات الرسمية في وطننا الذي يمتد من الخليج إلى المحيط؟ هذا الاحتجاج يختزن صوت قادم من عمق حضارتنا، إنه صدى خطبة أمير المؤمنين الإمام علي حين يقول (والذي وسع سمعه الأصوات ما من أحد أدخل على قلب فقير سرور إلا خلق الله له من هذا السرور لطفاً، فإن نزلت به نائبة جرى إليها لطف الله كالماء في انحداره حتى يطردها عنه)؟.
إن الشرطي في بريطانيا لا يخجل أن يمنع التسول لأن كل عاطل يتقاضى (35) جنيه إسترليني أسبوعياً؟ وأهل الخير والتجار في لندن أبدعوا في فتح مطاعم لسد الجوع؟ نعم تلك المطاعم لا تقدم الآيس كريم لكنها تقدم العدس والخبز وكأس من الشاي؟ إنها أفعال تجسد روح ً الحديث النبوي الشريف (في كل كبد حرى أجر)!
 القلم عاشق لحرية الإنسان وسوف يسترسل كما تستدعيه الذاكرة ولم يشأ أن يترك الألم أو أن يبتعد عن ساحة التعب؟ وطالما أن النظام التعليمي في وطننا العربي لا يزال يخرج لنا أطفال موظفين لدى “الرصيف” سوف نستمر في تقديم ما تجود به النفس لأطفال المناديل. بل وقد نعجب من الأطفال الذين لا يجدون قوتهم، كيف لا يخرجون في لناس شاهرين مناديلهم؟
قالت العرب (سائلان يصعب جفافهما بسهولة، دموع المظلوم ولعاب الجائع) هنا بالضبط تتعانق الكلمات والمشاعر فلا أحد يجرؤ على الاقتراب من هذه الساحة لأنها تتصل بالداخل المقدس ومن حقنا أن نرنو إلى الأفق البعيد إلى رصيدنا الحضاري إلى تجارب الشعوب ودروس التاريخ إلى ذلك الحلم بـ (مدينة بلا فقراء)؟ نعم الفقر موجود في كل أنحاء العالم، لكن ليس كل الفقراء يمثلون ,ويكذبون ويتظاهرون بالفقر حتى لو اختار البعض ارتداء أقنعة الإعلام التي تطمس وجه الحقيقة وتشكل في وعي الناس صورة مزورة تفيد أن لا وجود للفقر (الفقر وهم)؟ إن الشيء الأسوأ من الرأسمالية هو أن نعيش نموذج ممسوخ من الرأسمالية!
 
عندما تتسع رقعة التسول وتصبح صفة ملازمة للضوء الأحمر المنبعث من الإشارات المرورية، وعندما يمنع الناس في وطننا العربي من تشكيل الهيئات والمؤسسات النقابية والحقوقية، عندها يكون الاحتماء بإحياء قيم النخوة العربيةونظام الفزعة وإطلاق المبادرات الفردية ذات الحس الإنساني مشروعة لكي يتوازى ذلك الاحتماء مع هذا المنع؟ إنها دعوة للبداوة ولكنها من طراز جديد! حتى تنقدح في ذاكرتنا مواقف الشهامه المتسربلة بوشاح (عروة بن الورد). إن (التربية العاطفية) مشروعاً مناهضاً في عصر ثقافة الاستهلاك والتبعية وانكماش روح الدعم الاجتماعي، إنه مشروعاً يعزز أخلاق حقيقية، ولقد صدق غاندي محرر الهند حين قال: “الأخلاق الحقيقية هي تلك التصرفات لتي تتم بين المرء ونفسه!”.
نعتذر هنا لانحراف القلم إلى قضية عاطفية تتصل بتحريك الإنسان الذي يقبع داخل المواطن العادي قبل المثقف والفنان ، إنها العواطف الإيجابية الدالة على عافية الشعوب ومناعتها الروحية. لقد كان بالإمكان الحديث عن دور هيئة مكافحة التسولوعن دور الأثرياء والتجار، وكذلك وزارات العمل والشئون الاجتماعية في الوطن العربي، لكن (مشاعرنا) هذه لا تستطيع أي قوة في العالم أن تمنعها من أن تعبر عن ذاتها حتى لو قمعت بقوات مقاومة الشغب أو بطائرات الأباتشي فهي هناك تتأجج وتحتمي بروح البسطاء من المواطنين قاطرة النهضة والآمال، ومن منا لا يعيش بلا حلم أو أمل؟ ويمكن للقارئ أن يردد معنا ما قاله الأديب العالمي في حق الأطفال الفقراء…….. “رأيت في المنعطف بوضوح وجلاء طفلاً … نسيه الصباح كان يمشي مع أمه عبر نور الشمس… لقد أحرقت دموعه وجنتي … وتحرك قلبه في قلبي …”.

من كتاب رصيد الحكمة

"الحكمة ضالة المؤمن"

للتواصل: qatarim@hotmail.com