كسل الشعوب
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
الدعابة و السخرية هما من أحب طرق النقد و أقربها الى نفوس الناس في هذه المرحلة ، بل لعلهما تمثلان السلوة والعزاء وسط كومة التخلف التي نعاني منها وسط هذا الواقع المعاش . وإن كان ثمة تحفظ على المبالغة في استخدام النتائج الخطيرة لبعض الدراسات التي يكون موضوعها ظواهر ذات صلة بشعوب المنطقة ليقتصر ذلك في دائرة التهكم فقط . ومن بين تلك الدراسات الدراسة التي قامت بها مجلة لانسيت The Lancet البريطانية الطبية على 20 شعبا يعاني افرادها من الكسل المؤدي إلى الموت (طبقا لأرقام منظمة الصحة العالمية) . وتذهب نتائج الدراسة التي أعدها فريق بحث دولي من جامعة تينيسي واعتمد فيها على معطيات السنوات الـ 10 الأخيرة حول النشاط البدني الذي يبذله سكان مختلف دول العالم إلى أن الشعوب المستهدفة بالدراسة تعاني من عدم ممارسة أفرادها لأي نشاط بدني مثل المشي أو العمل اليدوي مما يؤدي لإصابتهم بأمراض مزمنة. والذي يهمنا في هذه النتائج أن المملكة احتلت المركز الثالث على مستوى العالم بين الدول الأكثر كسلاً وذلك بنسبة 68,2% ؛كما تصدرت المملكة أيضا قائمة الدول العربية الأكثر كسلاً !!بينما احتلت الكويت المركز السادس بنسبة 64,5% .
بالتأكيد لم يفاجأ أحدا بعدم وجود اليابان أو كوريا الجنوبية أو سنغافورة …إلخ ضمن هذه القائمة ؛وذلك لما عرف عن شعوب هذه الدول من تقديس للعمل وتبن لشعارات رائعة تحث عليه منها على سبيل المثال لا الحصر ( يكفيك أن تنام أربع ساعات ؛فإذا نمت الخامسة فمعناه الفشل ) بل والعمل بهذه الشعارات ايضا . و قد أرجعت الدراسة السبب في كسل بعض الشعوب إلى أسباب متعددة من بينها اعتماد نسبة كبيرة منها على التكنولوجيا و أن افراد هذه الشعوب لا يوجد لديهم الميل للقيام بأي جهد بدني . أما وجود دول الخليج العربي ضمن القائمة فهو أمر طبيعي ومتوقع .وقد فسرت الدراسة سبب تراجع صحة الخليجيين بابتعادهم عن العمل خارج المكاتب وميلهم للأعمال الادارية ؛ حيث يعاني العديد منهم – بسبب قلة الحركة – من أمراض مزمنة على رأسها «السكري».
هذه الدراسة تعطي مؤشرا للخمول الذي تعيشه مجتمعات تلك الدول إلى درجة أغرت بعض الأجانب بالتهكم بجسارة على هذا الخمول ؛ فهذه (اوبرا وينفري) الإعلامية الأمريكية التي تقدم برنامجا حواريا يتابعه يوميا أكثر من 30 مليون مشاهد والتي صدر عنها في إحدى حلقاته اتهام للشعب الكويتي بالكسل بلغة لا تخلو من التعميم قائلة : (إن المصريين هم من يبني مساكن الكويتيين، والهنود هم من يكنس شوارعهم، والفلبينيين يربون أولادهم، والاندونيسيون يحضرون طعامهم، والاميركيين يتولون الدفاع عنهم، بينما الكويتيون يتصرفون كـ (باريس هيلتون). ولعل ( اوبرا ) بحاجة إلى قراءة مسألة النسبية الثقافية أو التأمل في قول الجاحظ:( الفضائل والكمالات والمثالب والمقابح موزعة بين الأمم والاقوام) .
وقبل الحديث عن ظاهرة الكسل – باعتبارها ثقافة شعوب – يجدر بنا تصنيف الكسل إلى ثلاثة انواع : أولها الكسل الذهني و هو الذي يشير إلى تدني الرغبة في التفكير والتثاقل عن البحث والتحليل ،وهذا النوع من الكسل مستشرٍ و كارثي على المجتمعات ،وهو الذي يوسع حجم قاعدة الهمج الرعاع في المجتمع بحسب تصنيف الامام على ( ع) : ( الناس ثلاثة :عالم رباني ،ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع ينعقون مع كل ناعق) حيث يجعل هذا النوع من الكسل السواد الأعظم من الناس جاهزين لقبول التصورات المتوارثة وتقبل الخرافة والاقتناع بالتفسيرات غير المنطقية و هو يكون لديهم قابلية عالية للتأثر بالإعلام الموجه من قبل الحكومات. أما النوع الثاني فهو الكسل الجسدي و هو الذي تكون أسبابه فسيولوجية، كما تذكر الكتب الطبية كفقر الدم والسكري وتدني نشاط الغدة الدرقية وأمراض القلب والجهاز التنفسي وغيرها. أما النوع الثالث فهو الكسل النفسي حيث فقدان الرغبة بالعمل وتدني الحماس والميل إلى الخمول والسلبية في مواجهة متطلبات الحياة .وهو الأقرب الى مرض الاكتئاب في بعض صفاته بسبب الإحباطات المتراكمة أو بسبب كثرة الأعباء والضغوط النفسية والتوتر الداخلي الناجم عن عدم تحقيق الطموحات الذاتية . فالكسل سيكولوجياً ناجم – في أحد أسبابه – عن الإحساس بالضعف والقصور أي : الإحساس بعدم جدارة الشخصية والعكس صحيح ؛ فإن النشاط يفصح عن الإحساس بالثقة والكفاءة مما يدفع صاحبه إلى ممارسة وظيفته بحيوية وتفاؤل ؛لأن الشخصية التي تتمتع بالصحة النفسية لا تجد لديها مجالاً للكسل ،أو كما قيل الفراغ مفسدة ؛فالإنسان السوي لا يجتر مشاكله فهو مشغول عن ذلك بالعمل . بل إن بعض علماء النفس يعالجون مرضاهم بإشغالهم بـ(العمل) حتى لو كان ذهنياً أو عادياً لا قيمة اجتماعية له.
والحقيقة أن الكسل يرتبط بمنظومة القيم لحضارية لأية أمة من الأمم فهو يصطدم بالقيم السائدة في المجتمع .فالكسل ليس مرتبطا بوفرة المال ولا بوفرة الخدمة فقط – كما يظن البعض – فهناك دول فقيرة تصدرت الدول الأكثر كسلا حيث لا مال ولا خدمات ولكنها ثقافة الشعوب . وبالنسبة لمجتمعنا العربي فلعله يتحتم علينا الاعتراف أن الكسل من أكثر الأشياء تأثيراً في حياة الناس ؛لما يسببه من عزوف عن العمل وتدنٍ في الإنتاج وقلة في الإنجاز و تقاعس في أداء الواجب نحو الذات والآخر ؛ ومع ذلك فإننا نجد مراكز البحوث والجامعات في غفلة عن دراسة تلك الظاهرة وكأنها تتعمد أن تعطي برهانا لحالة الكسل في دراسة الكسل !
نعم قد تتباين الآراء حول تفسير انتشار الكسل ؛ولكن باستقراء لموروثنا القيمي والديني فانه يمكننا ان نلمس كيف ربط الحق سبحانه وتعالى بين الكسل والنفاق في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [سورة النساء: 142. وذكر سبحانه وتعالى سيدتنا مريم عليها السلام وقد جعل لها من الرطب الجني ما كفاها مؤونة الطلب وفيه أعظم معجزة فإنه لم يُخلها من أن يأمرها بهزها فقال تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} [مريم: 25]. و جاء فصل رائع وممتع اورده الراغب الأصفهاني في كتابه (الذريعة) فقال في مدح السعي وذم الكسل: “من تعطل وتبطل انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية، وصار من جنس الموتى”. وذكرالأصبغ بن نباته من تلامذة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب(ع) مايصف به الإمام باعتباره قدوة للشعوب في العمل بقوله (كان ليصل الليل بالنهار والنهار بالليل تعباً وعملاً ) وذات يوم قال الأصبغ للإمام علىي : يا أمير المؤمنين ألا تستريح؟ فقال الإمام : يا أصبغ كيف أنام ؟ إن نمت النهار ضيعت رعيتي وإن نمت الليل ضيعت نفسي؟!.
لكن علم الاجتماع السياسي المعاصر يحمل الكسل – أحيانا – بعدا احتجاجياً ؛فمثلا يمكننا تأويل كسل الموظف في أداء عمله باعتباره نمطا من الانتقام اللاشعوري الموجه نحو سلطة الإدارة التي تقمعه أو لا تقوم بتقديم الحوافز المرضية له ! . نعم قد أميل الى القول إن الكسل عند الناس قد يحمل دلالات احتجاجية تتضمن غياب قيم هامة كالعدالة . وعلى سبيل المثال فإنني أقوم الآن بالاشراف على ما يقارب من (500) طالب في المرحلة الجامعية يتدربون في شركات متنوعة ،ولي احتكاك يومي مباشر معهم باعتبارذلك من مسؤلياتي وباعتبارهم طلبتي وأبنائي ؛وهي حالة تعب إنساني غاية في الروعة ؛ولكن المؤسف أن أغلب هؤلاء لا يشعرون بوجود عدالة في التعيين والتوظيف بعد التخرج ،وان الاختيار تتدخل فيه اعتبارات طائفية وقبلية ومناطقية ولدى هؤلاء الشباب شعور بأن لا فائدة من العمل الجاد ؛ فالجدارة ليست هي المعيار في توظيف الناس ؛فالكسل بالنسبة لهم وسيلة نفسية دفاعية للتكيف مع حالة غياب قيمة العدالة الاجتماعية .
في تقديري هناك علاقة وثيقة ( ولكنها غير واضحة )بين قيم المثابرة وعلو الهمة وبين توجهات رأس الهرم الاداري و السياسي ووجود نماذج قيادية قدوة ؛ بل هي المسؤولة عن غرس القيم في المجتمع، وهي بحاجة الى أن نسلط أنوارنا الكاشفة عليها. فقد طالعنا ما جاء في تقرير عالمي عن تنائج دراسة حول الشباب قامت بها مؤسسة بحث فرنسية على (33) ألف شاب حول العالم شملت (25) بلدا للكشف عن تحولات منظومة القيم التي يحملها هؤلاء ؛الشباب حيث بدا التقرير بالكلمات التالية: ( إن العصر الحالي سيعرف حربا جديدة ، هي ليست بالحرب التقليدية ، ولكنها حرب قيم ).
أختم باقتراح ليس له علاقة بالموضوع وهو التشجيع على مطالعة كتاب رائع وجميل كنت أتصفحه هذا الصباح لأبي حامد الغزالي واسمه ( التبر المسبوك في نصائح الملوك ) يروي فيه قول محمد بن علي بن الفضيل : ( رأيت الناس في أيام الوليد بن عبد الملك قد اشتغلوا بعمارة البساتين وبناء الدور وعمارة القصور . ورأيتهم في زمان سليمان بن عبد الملك وقد اهتموا بكثرة الأكل وطيب الطعام حتى كان الرجل يسأل صاحبه أي لون اصطنعت ؟ وماذا أكلت ؟ . ورأيتهم في أيام عمر بن عبد العزيز قد اشتغلوا بالعبادة وتفرغوا لتلاوة القران وأعمال الخيرات وإعطاء الصدقات) !!
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
