ثقافة الطعام
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
يتحدث العلماء والأطباء حول الفروق عند الشعوب في مظهرها السلوكي وعلاقة ذلك بالطعام! ويطرحون على سبيل المثال سؤال حول سبب انتشار السمنة (عدم الرشاقة) عند بعض الشعوب دون غيرها؟
وقد طالعنا مقالة أجنبية مؤخراً تتحدث عن السمنة عند الشعب الأمريكي . وتذكر المقالة (وبدون تحرج أو حساسية) بأن أكثر من نصف الشعب الأمريكي هم من السمان ؟ وكان من بين الأسباب الهامة التي يؤكد عليها العلماء والأطباء هو طبيعة الغذاء الذي يتناوله الشعب الأمريكي بسبب انتشار مطاعم (الوجبات السريعة) .
نقد الذات :
والمقالة تضيف سبب آخر إلى جانب محتوى الوجبة وهي طريقة الأكل المتبعة عند الشعوب؟ فالأمريكي مثلاً يتناول بعض الأكلات الخفيفة بين الوجبات الرئيسة (كعادة قائمة) (Little snacks) والتي تحتوي على دهون عالية. هذا إلى جانب عدم ممارسة الأمريكي للتمارين الرياضية؟ الذي يميل إلى سياقة السيارة حتى في المشاوير القصيرة بمعنى كراهية المشي . كما يمارس الأمريكي عادة الاستلقاء على الأريكة فهو يستخدم عوضاً عنه (Remote Control) . وتختم المقالة حديثها بشعار تحريضي . . (المزيد من الدهون يجعل حياتك أقصر) . (extra fat my make your life shorter) .
وتمارس المقالة نقداً لثقافة الطعام الأمريكية وفي تقديرنا أن الوطن العربي أكثر احتياجاً إلى ممارسة النقد الذاتي وإلى ممارسة عملية التأمل الذاتي وعلى الأخص في واقعنا المعيشي والصحي فالمؤشرات والدلائل متعددة منها على سبيل المثال ما أكدته الجمعية المصرية للسمنة من أن (35-40%) من المصريين مصابون بداء السمنة وأن هذه النسبة تزيد في المرحلة العمرية بين (30-50) سنة ، وأنها تزيد لدى السيدات عنها في الرجال وعلى الأخص تلك النسوة اللائي يعشن في مجتمعات مغلقة بلا نواد رياضية . ويذكر التقرير أنه يتردد على عيادة السمنة في مصر ما لا يقل عن (1200) حالة يومياً وهو ما لم يحدث في أي مكان في العالم (راجع مجلة عالم الإعاقة – مارس 2000) .
وقفة سوسيولوجية :
وكنا بصدد تسجيل وقفة سوسيولوجية حول ثقافة الطعام . فالعرب قديماً وعلى رغم قساوة العيش وشحه الموارد بلحاظ معظم أجزاء شبه جزيرة العرب هي أرض صحراوية قاحلة إلا أن علاقتهم ببيئتهم كانت حميمة . وقد عكست اللغة العربية ممثلة بالشعر صورة رائعة لتلك العلاقة والتي يشكل الطعام أحد مظاهرها الثقافية والاجتماعية . والشعر كان أحد أدوات التعبير البارزة في ذلك الزمان حيث قدم لنا صورة لذهن متقد يشع بالدفء ويجسد منظومة القيم الدينية والاجتماعية في مخزون ثقافة الطعام كالكرم وحسن الضيافة والتصدق ولو بشق تمرة ، وإغاثة الملهوف والصوم والاحتفال بالأعياد الدينية . فعرب الأمس تمتعوا بطعامهم ووصفوه بشكل مبدع يتناسب مع قيم ذلك العصر واستطاعوا أن يحدثوا توازن بين حياتهم وبيئتهم وبدون إسراف كما هو شائع لدينا رغم الأزمة المالية العالمية وتوجه بعض الشعوب للاقتصاد على سبيل المثال فتح الشباب في فرنسا موقع لترشيد اقتصاديات الشباب (كن بخيلا دت كم) .
وبالمقارنة مع حال المجتمعات العربية اليوم وبعض شعوب العالم فقد نرصد شيء من الاغتراب لدى المواطن العربي في علاقته بالموروث البيئي . على سبيل المثال عندما تراجع كتب الجودة والموضوعات الخاصة بأهمية أدوات الجودة في هذه المرحلة سوف تصادف مصطلح (عظم السمكة) والذي طوره العالم الياباني (كاروو ايشيكاوا) عام 1943م بحكم ثقافته اليابانية “البحرية” وهي عبارة عن طريقة بيانية لوصف السبب لحدث معين ويعرف ببيان (عظمة السمكة) أو (بيان ايشيكاوا) ويمكن متابعة ذلك في كل كتاب يتحدث عن الجودة!؟ وكأن هناك حالة من العصرنة للموروث الروحي والثقافي البيئي وتوظيفه لكي يتواصل مع معطيات وإبداعات العصر الحديث عند كثير من الشعوب .
الثقافة التحتية :
وعند استخدام أدوات الباحث في ميدان الانثروبولوجية الثقافية فإننا نستطيع اعتبار أسلوب تعامل أي شعب من الشعوب مع الطعام يقع ضمن ما يعرف بالثقافة المقنعة (Cover-culture) فهي عبارة عن مجموعة من المسلمات وراء أنماط السلوك والتفكير بمعنى أنها تجسد التصور القائم خلف تلك المسلكيات . وقد نستعين هنا بتصنيف (ألف لنتون) في الأبعاد الثلاثة للثقافة :
1 – جانب مادي ويمثل منتجات الصناعة .
2 – النشاط وهو أنماط السلوك الظاهرة .
3 – الجانب السيكولوجي والذي يتضمن ( المعرفة والقيم والاتجاهات) المشتركة بين الأعضاء .
فالجانبان الأول والثاني يؤلفان الثقافة الظاهرة والجانب الثالث يعبر عن الثقافة المقنعة . لذا فليس مستغرباً أن يطالعنا كتاب (التأرجح بين العصور) (Rocking The Ages) للمؤلفين (جي سميت و آن كلارمان) بالتركيز على دور القيم في صراع الأجيال (فعندما تلقي نظرة على الأجيال التي تتعايش معاً وفي نفس الزمان والمكان ستجد جيل والديك وجيل أبنائك وبالطبع جيلك أنت . لكل من هذه الأجيال قيمه الأخلاقية وعاداته الاستهلاكية وطموحاته الذاتية . فلا تتوقف هذه الأجيال عن التصارع حول قيمها وعاداتها وطموحها . فمثلاً يعشق جيل الأبناء تناول الوجبات السريعة في (ماكدونالدز) بينما يصر جيل الآباء على تناول الوجبات المنزلية ويعتبرون مطاعم الوجبات السريعة من مظاهر التفكك الأسري!) .
ويحتدم الحوار الفكري حول ما يعرف بالخصوصية الثقافية والعولمة ويقفز إلى الذهن تساؤلات ما إذا كانت المطاعم السريعة تمثل نوع من الاختراق لهذه الخصوصية . فالجميع يشعر بأن “إيقاع الحياة” أصبح سريعاً . . والجميع يشعر بأن مطاعم الوجبات السريعة بدأت تنتشر على الرغم مما بها من سلبيات غذائية كاحتوائها على كميات عالية من الدهون والسكريات! ولعله من المناسب أن نطالع بعض الكتب التراثية لكي نرسم بعض خطوط القيم الثقافية وعلاقتها بثقافة الطعام وكأن التاريخ يعيد نفسه .
ويحضرنا هنا كتاب محمد كرد (مآكل العرب) في : المقتبس وفي إشارة إلى “أن عرب الشام كانوا يأخذون عن الروم “كل شيء طريف ولقمة كريمة ومضغة شهية” وكذلك عرب الحيرة فإنهم لقربهم من بلاد الأكاسرة فقد أخذوا عنهم “رفاهة العيش والناعم من الطعام” . كما تردد عرب البادية وشعراؤها إلى هذين المركزين ووصفوا ما رأوه هناك من رغد العيش والرخاء كقول حسان بن ثابت في وصف قصور الغساسنة :
ديار زهاها الله لم يعتلج بها رعاء الشوى من وراء لشوائل “
ولا يشك أحداً من جيلنا بأن الوجبات المنزلية أشهى مما يطبخ في المطاعم السريعة “كنتاكي” “برجركينك” “مكدونالز” وحتى ما يطهى في قصور الغساسنة؟! ولسنا الوحيدون الذين يترحمون على جلسات الاسترخاء العائلي ، فهناك ومن رحم ثقافة البلاستيك يطل علينا الكاتب الأمريكي “دوجلاس ماكي ” في كتابه الممتع والذي بعنوان (أنصحك وأنت حر) حيث يتأوه قائلاً “أننا لم نعد نستمتع بالطعام كما كان يفعل آباؤنا وأجدادنا . . لم نعد نجلس أمام المائدة وندعو الله أن يديم علينا نعمته إننا نهرول في الشوارع نحمل ساندويتشاً نقضمه ونحن نسرع إلى هنا وهناك ولم تعد الأم تدخل المطبخ لتعد طعام اسرتها المفضل . . أنها فقط تتحدث في التلفون وتأتي لفات الطعام الجاهز المصنوع بالشحوم الصناعية المميتة . . . وباللحم الذي ظل في الثلاجات سنوات” وينصحنا الرجل أن نغلق التليفون ساعتين يومياً وكذلك الجوال . وأن نغلق التليفزيون ساعتين أيضاً وفي أيام الإجازات نغلقه طوال اليوم وأن نأخذ الأسرة ونخرج بعيداً . . . وأخيراً ينصحنا “ماكي” أن نصر على تناول الغذاء والعشاء المطهو في البيت!!
الاهتمام بالإنسان :
وإذا كانت محاولة هذا الكاتب تقع ضمن الجهود الفردية التي تطمح إلى الخروج بالأسرة وبالفرد من شبح ضغوط الحياة المعاصرة فإن الملاحظة الأهم تتجسد فيما نظن في خصوصية وتميز المجتمعات الانجلوسكسونية والأمريكية والمتمثل في وجود “مؤسسات وهيئات بحث ودراسات” تقوم برصد وتحليل عادت وسلوك الناس اليومية . وتقوم بتنفيذ الدراسات وبطرح المشاكل والحلول . وكذلك تقوم الهيئات بوضع توصيات غالباً ما تكون على شكل حملات تثقيف وتوعية عبر الوسائل الإعلامية المختلفة وبالتعاون مع القطاع الخاص والشركات التجارية . فمثلاً وقبل عدة سنوات تم طرح مشكلة “طريقة الأكل” عند الأمريكان فقد سجلت الدراسة أن غالبية العينة تأكل الوجبة بشكل سريع وبدون مضغ وإذا صح التعبير يقومون بعملية “بلع الطعام” دون مضغه .؟! فجاءت الحملة الإعلامية لتشجيع المواطن الأمريكي على “مضغ الأكل” فالأكل السريع يؤثر على عملية الهضم وقد يخلق مشاكل صحية خطيرة على الإنسان كأمراض السرطان . والحملة أتت بنتائج طيبة فبدأ الأمريكي يمضغ الطعام جيداً ، لكن ظهرت مشكلة جديدة . إنها مشكلة تتعلق بـ (الأسنان) ، وبدأت بعد ذلك حملة إعلامية جديدة أيضاً تستهدف العناية بالأسنان وبـ “صحة الفم”؟؟
وهكذا تتواصل الدراسات والبحوث من المواطن وإلى المواطن . أو كما عنونته بمسألة الاهتمام بالإنسان لذا فليس من المستغرب أن يخالج الناس شعوراً بأن هذه الدراسات الميدانية لعلها أفضل من الصور والأشكال المجردة التي استهوت الفلاسفة والمفكرين الصوريين الذين عزلتهم معارفهم عن فهم حاجات الناس وعن فهم الواقع الاجتماعي للناس . وقد طالعنا إحدى المرات ما كتبه (سلامة موسى) بما مضمونه أن مناقشة عدم وجود حمامات عامة في الأرياف وما يترتب على ذلك من بيئة صحية بسيطة أفضل ألف مرة من أن أناقش “الصيرورة التاريخية”! وهذا أيضاً ما يؤكد عليه عالم الاجتماع المعاصر (على الوردي) والذي لا يخفى إعجابه بعامة الناس غير المثقفين لأنهم يرون الأشياء اعتماداً على إحساسهم وتجربتهم العملية مما يجعل الرؤيا أقرب إلى واقع تلك الأشياء من صوره المجردة في أذهان أهل الفكر الطوباوي . وكأن “الوردي” في هذا الموقف يتوافق مع “ابن خلدون” والذي يعد الثقافة الصورية القائمة على المنطق الأرسطي أكثر ضرراً على الفكر العلمي من الأمية ؟؟ فإننا ندعو إلى تكثيف الدراسات الميدانية وتسليط الأضواء الكاشفة على واقع “الإنسان العربي” وكل ذلك من أجل مصلحته ومستقبله وسعادته! وأن نقوم بالبحث والتحليل لواقعنا بدلاً من تعليق أسباب معاناتنا على شماعة الطرف الآخر “الأجنبي”؟!
Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qatarimn/public_html/wp-content/themes/Extra/includes/template-tags.php on line 54
